التسامح من منظور إسلامي

إن التسامح زينة الأخلاق والفضائل وهي الصفة المهيمنة على الإسلام، وهي ليست من صفات الضعيف، وإنما من صفات القوي الأمين الذي يحب الخير لنفسه ولمن حوله. وعلى هذا المبدأ العظيم الذي عليه ربى الإسلام أتباعه.

فإن وجود الاختلاف بين الناس أمر طبيعي وصفة فطرية وهي محمودة ما لم تؤدي إلى صراع وسفك دماء؛ وعندئذ يكون الخلاف محرمًا (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)، إذن ترسيخ أخلاق التسامح والتمسك بها ركن من أركان البقاء الجنس البشري في حالة سلام وأمن واستقرار. (فاصفح الصفح الجميل) (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) (ومن عفا وأصلح فأجره على الله).

وإذا تطرقنا النظر إلى مصادر الشريعة الإسلامية الغراء نجد أنها تؤكد تكريم الإسلام لبني آدم الأسود منهم والأبيض دون تمييز. (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر). وأنه الدين الذي جعل فيه الإحسان إلى الخلق أجمعهم احدى الركائز التي عليها مداره. (وأحسن كما أحسن الله إليك) وحث أهله إلى إفشاء السلام وإطعام المسكين واليتم والأسير، (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) ودعا الإسلام إلى التعايش مع الغير واحترام الآخر وتقبّله ودعا إلى الحوار بأرقى صوره. (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلى بالتي هي أحسن). ولم يكره أحد في الدخول فيه. لأنه جلي وظاهر لا يحتاج إلى اجبار أحد للدخول فيه. قال تعالى مبينا ذلك في كتابه العزيز: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي).

وخير دليل على سماحة الإسلام والتعايش مع الغير هو المجتمع الذي كان داخل المدينة المنورة والذي عاش فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ثم “العهدة العمرية” التي كتبها عمر بن الخطاب لأهل إيلياء (القدس)عندما فتحها المسلمون عام638هـ بحيث أمنهم على كنائسهم وممتلكاتهم. ثم إن الإسلام حرّم العنف والظلم بكل أشكاله وألوانه وفي الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا). ويأمر الإسلام أتباعه بالعدل والإحسان فلم يأمر بالإفساد في الأرض وإراقة الدماء. ولا يجوز قتال المسالم الذي يعيش مع المسلمين بأمن وسلام. كما لا يجوز قتل نفس بغير حق سواء كانت النفس مسلمة أو غير مسلمة.

مهما يكن من شيء؛ فإن الإسلام دين عالمي يخاطب جميع البشر دون تمييز يقول تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) سورة الأنبياء ،107. ولن يسمو الفرد ويرتقي إلا بالتقوى والعمل الصالح، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى) أخرجه أحمد.وما دام الإسلام يوافق الفطرة الإنسانية السليمة فإنه يدعو إلى التوازن والاعتدال والتسامح والتعايش، يقول تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ ). البقرة: 143 ومن بين مظاهر الاعتدال دعوة الإسلام إلى التوفيق بين المطالب الدنيوية والواجبات الأخروية، يقول تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) سورة القصص الآية77.

ولقد غرس الإسلام في نفوس أتباعه هذه المفاهيم والأسس من أجل ترسيخ هذه الأخلاق النبوية المحمدية ليكوّن معها وحدة متينة من الأخلاق الراقية التي تسهم في وحدة الأمة ورفعتها والعيش بين أبنائها وبين الآخرين بأمن وسلام ومحبة ووئام وتآلف.

روابط
Comments

ހިޔާލު ދެއްވާ!

Your email address will not be published. Required fields are marked *