أولاً: معنى الإلزام.
تعتبر الزكاة فريضة مالية ومن التكليف المفروضة على مال المسلم متى توافرت فيه الشروط، ودليل ذلك قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[i].
والزكاة حق في المال، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) [ii]ويفهم من هذه الآية ؛ أن زكاة المال فرض واجب الأداء، وتتمثل حقاً مستحقاً على صاحب المال لمن يستحقه وليست هبة أو تبرعاً ولا إعانة اجتماعية.[iii].
ثانياً: أدلة الإلزام بتطبيق الزكاة من القرآن.
من أدلة فرضية الزكاة على المسلم قول الله تعالى( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)[iv].
كما تعتبر الزكاة من أركان الإسلام ومن شروط دخوله، ودليل ذلك قول الله تعالى : ( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[v].
ولقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بتطبيق الزكاة فقال: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[vi].) وقوله تعالى:( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [vii].
وهذه الآيات توضح مسؤولية ولي الأمر عن تحصيل الزكاة وصرفها في مصارفها الشرعية، والتمكين في الأرض للمؤمنين يعني أن تكون السلطة بأيديهم، لا لغيرهم، ولابد أن يظهر أثر هذا التمكين في إقامة حقوق الله، وأبرزها الصلاة، ورعاية حقوق الناس، وبخاصة الفقراء والضعفاء، وأبرزها الزكاة، وإشاعة الحق والخير والصلاح، وهو ما يعبرَّ عنه بالأمر بالمعروف، ومقاومة الباطل والشر والفساد، وهو ما يعبَّر عنه بالنهي عن المنكر.[viii]
ثالثاً: أدلة الإلزام بتطبيق الزكاة من السنة النبوية:
السنة النبوية الشريفة حافلة بالعديد من الأحاديث التي تؤكد فرضية الزكاة، فلقد ورد في الحديث الصحيح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل – رضي الله عنه حيث أرسله إلى اليمن (أعلمهم أن الله افترض عليهم في أمولهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)[ix]
كما أشارت السنة النبوية أن الزكاة من أركان الإسلام، فعن ابن عمر – رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، وصوم رمضان)[x].
رابعاً: أقوال العلماء في التطبيق الإلزامي للزكاة
الزكاة من الفرائض التي أجمعت عليها الأمة واشتهرت شهرة جعلتها من ضروريات الدين، بحيث لو أنكر وجوبها أحدٌ خرج عن الاسلام، وقتل كفرًا، إلا إذا كان حديث عهد بالاسلام، فإنه يعذر لجهله بأحكامه.[xi]
أما من امتنع عن أدائها – مع اعتقاده وجوبها – فإنه يأثم بامتناعه دون أن يخرجه ذلك عن الاسلام، وعلى الحاكم أن يأخذها منه قهرًا ويعزره، ولا يأخذ من ماله أزيد منها، إلا عند أحمد والشافعي في القديم، فإنه يأخذها منه، ونصف ماله، عقوبة له[xii].
ولو امتنع قوم عن أدائها – مع اعتقادهم وجوبها، وكانت لهم قوة ومنعة فإنهم يقاتلون عليها حتى يعطوها.[xiii] لما رواه البخاري، وغيره عن ابن عمر – رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى“[xiv].
وبناء عليه قال العلماء بالاتفاق: إذا منع واحد أو جمع الزكاة وامتنعوا بالقتال، وجب على الإمام قتالهم، وإن منعها جهلاً بوجوبها أو بخلاً بها لم يكفر.[xv]
ويرى الفقهاء أن الزكاة وظيفة الدولة، قال الإمام النووي: ” يجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء كانوا يبعثون السعاة، ولأن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه.)[xvi].
يقول الشيخ القرضاوي: ” لقد رأينا الإسلام يشرك الدولة في المسؤولية عن تحصيل الزكاة وتوزيعها، وهذا أمرٌ واضحٌ في القرآن الكريم والسنة النبوية، فالزكاة فريضة مالية (تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء)، والذي يأخذها هو السلطان أو ولي الأمر الشرعي بوساطة من سماهم القرآن (العاملين عليها)، وهم الذين يقومون على أمر الزكاة جبايةً وصرفاً ومحاسبةً.[xvii]
ولقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم جباته وعماله إلى جميع الجهات والقبائل في جزيرة العرب، لأخذ الزكاة – وخصوصاً زكاة الأنعام- ممن ملكوا نصابها، وبهذا جعل الإسلام على أداء الزكاة حرّاساً ثلاثة:[xviii]
الحارس الأول: إيمان المسلم وضميره الديني، الذي يدفعه إلى أداء الواجب، ابتغاء مرضاة الله، ورجاء مثوبته، وخوفاً من عقوبته.
والحارس الثاني: الضمير الاجتماعي، الذي يتمثل في الرأي العام الإسلامي، الذي تكونه فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق والصبر.
والحارس الثالث: هو سلطان الدولة المسلمة المخولة بأخذ الزكاة، ولو كرهاً ممن لم يؤتها طوعاً، بأن تقاتل عليها أي جماعة امتنعت من أدائها وكانت ذات شوكة.
وكل هذا يدل على أن تطبيق الزكاة لابد أن يكون أمراً ملزماً يقوم بذلك سلطان الدولة المسلمة.
المصارد والمراجع:
[i] سورة التوبة، الآية: 103.
[ii] سورة المعارج، الآية: 42.
[iii] شحاتة، حسين، موجبات التطبيق الإلزامي للزكاة وأهمية وآثاره (ندوة التطبيق المعاصر للزكاة – جامعة الأزهر، 14- 16 ديسمبر 1998م) ص: 4.
[iv] سورة التوبة، الآية: 60.
[v] سورة التوبة، الآية: 5.
[vi] سورة التوبة، الآية: 103.
[vii] سورة الحج، الآية: 41
[viii] القرضاوي، يوسف عبدالله، دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، (القاهرة: مكتبة وهبة، ط1، 1995م) ص:419.
[ix] سبق تخريجه.
[x] ابن حجر، أحمد بن علي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس، رقم الحديث: 8، (د.م، دار الفكر، د.ت)، ج1، ص: 45.
[xi] سيد سابق، فقه السنة، (بيروت: دار الفكر، ط5، 1391هـ 1971م) ج 1، ص 281.
[xii] ويلحق به من أخفى ماله ومنع الزكاة ثم انكشف أمره للحاكم.
[xiii] سيد سابق، فقه السنة، ج 1، ص 281.
[xiv] البخاري، الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة، حديث رقم: 1399، ج 1، ص431.
[xv] الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ج 2، ص 735.
[xvi] صحيح مسلم بشرح النووي، ج، 1، ص: 197.
[xvii] القرضاوي، دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، ص: 420.
[xviii] القرضاوي، المصدر السابق، ص: 421.


