إن الدين الإسلامي دين العلم والعرفة. والإسلام لم يقيد العلم في دائرة العلم الشرعي فحسب، بل وسع مجالات العلم والعرفة، وأمر الإنسان لينظر، وليعقل، وليتفكر، وليتدبر حتى يصل من خلال ذلك كله إلى الحقيقة الكبرى، ألا وهو معرفة الله الخالق حق المعرفة.
فقد مدح الله العلم والعقل والفقه ونحو ذلك موضع وذم عدم ذلك في مواضع، وقال الله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ) ( سورة آل عمران: 18) وقال: ( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (سورة الطلاق: 12)، وقال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ)( سورة محمد: 19 ) وقال: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) (سورة طه: : 114) وقال (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) (سورة محمد: 24 ) وقال:(أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) (سورة الأعراف: 185) وقال: (فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ) (سورة الحشر: 2) ،وهذا كثير في القرآن، يأمر ويمدح التفكر والتدبر والتذكر والنظر والاعتبار والفقه والعلم والعقل والسمع والبصر والنطق ونحو ذلك من أنواع العلم وأسبابه وكماله ويذم أضداد ذلك.
فالقرآن الكريم يتصل بالعلوم جميعاً ويحثنا على العلوم في آيات كثيرة وفي مجالات شتى ففي مجال بدء الخلق يأمرنا بالسير في الأرض والتأمل فيها عندما يخاطبنا بقوله: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .( سورة العنكبوت: 20 . )
وففي مجال الجغرافيا يخاطبنا بقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ) . سورة السجدة : 27 ).
كما أرشد القرآن الكريم إلى علوم متعددة في آية واحدة عندما قال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ). (سورة البقرة: 164 ).
فقد أشار هذه الآية الكريمة إلى علوم شتى، مثل: علم الفلك في قوله تعالى:(وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ)، وكذا علم البحار في قوله تعالى: (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ )، وإلى علوم المياه في قوله تعالى: (وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ)، وإلى العلوم الزراعية والجيولوجيا في قوله تعالى: (فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها)، وإلى علم الحيوان في قوله تعالى: (وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ)، وإلى علم الأرصاد بقوله تعالى: (وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ) .
وقال إشارةً إلى علم الطب: (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) ( سورة النحل: -68-69) .
وقال تعالى عن علم الأجنة: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (سورة الحج: 5)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) . (سورة المؤمنون: 12- 14)
وهذه الآيات تشير إلى مراحل خلق الإنسان العجيبة التي تظهر عظمة الرب جل وعلا، كما تبين أن القرآن من عند الله تعالى، وقد واففت الآيات العلم الحديث في هذا المجال، وأذهل عقول الأطباء والعلماء، حيث سجد منهم لله إيماناً بما بين لهم من حقائق لا تنكرها عقل سليم.
ومن كل هذا يبن لنا أن الإسلام دين العلم والمعرفة، وأنه يرحب بكل الحقائق العلمية الذي يكتشفها الإنسان.


