أحكام الزكاة: مصرف المؤلفة قلوبهم: أقسامه وتطبيقاته في جمهورية المالديف

إن مصرف المؤلفة قلوبهم  هو المصرف الثالث من مصارف الزكاة، وسوف نذكر في هذا البحث مفهوم المصرف ودلالته عند فقهاء المسلمين واختلافهم في بقائه، اضافة إلى ذلك أقسام هذا المصرف وتطبيقاته في جمهورية المالديف.

أولاً: مفهوم (المؤلفة قلوبهم) عند الفقهاء:

(المؤلفة قلوبهم) هم قوم كانوا في صدر الإسلام، فقيل: هم الكفار الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألفهم ليسلموا، وكانوا لا يدخلون في الإسلام بالقهر والسيف، بل بالعطاء، وقيل هم قوم أسلموا في الظاهر ولم يحسن إسلامهم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم بالعطاء؛ وقيل: هم من أسلم من اليهود والنصارى، وقيل: هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع أعطاهم النبي- صلى الله عليه وسلم، ليتألفوا أتباعهم على الإسلام.[1]

ويرى الباحث: أن لا مانع أن تشمل المؤلفة قلوبهم جميع هذه الأقوال لتحقيق مصلحة الدعوة الإسلامية.

واختلف العلماء في بقائهم؛ فقال عمر والحسن والشعبي وغيرهم: انقطع هذا الصنف بعز الإسلام وظهوره، وهذا مشهور مذهب مالك وأصحاب الرأي، قال بعض علماء الحنفية: لماّ أعز الله الإسلام وأهله وقطع دابر الكافرين، أجمع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في خلافة أبي بكر رضي الله عنه على سقوط سهمهم. وقال جماعة من العلماء: هم باقون؛ لأنّ الإمام ربما احتاج لتأليفهم على الإسلام، وإنما قطعهم عمر رضي الله عنه، لماّ رأى من إعزاز الدين. وقال القاضي ابن العربي: الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم.[2]

 

دلالة هذا المصرف:

هذا المصرف أيضاً يدلنا بوضوح على ما أكدناه في غير موضع من أن الزكاة في الإسلام ليست إحساناً شخصياًّ، ولا عبادة مجردة موكولة إلى الأفراد. فإن هذا الصنف من مصارف الزكاة ليس مما يوكل إلى الأفراد في العادة الغالبة. وإنما هو من شأن رئيس الدولة أو من ينوبه عنه. أو أهل الحل والعقد في الأمة. فهؤلاء هم الذين يستطيعون إثبات الحاجة إلى تأليف القلوب أو نفيها، وتحديد صفات من يؤلفون ومدى ما يبذل لهم وفق مصلحة الإسلام وحاجة المسلمين.[3]

 

أقسام المؤلفة قلوبهم

وهم قسمان: كفار ومسلمون، فالكفار ضربان، الأول: من يرجى إسلامه فيعطى لتقوى نيته في الإسلام وتميل نفسه إليه.[4]، والثاني: من يخشى شره فيرجى بعطيته كف شره وكف شر غيره معه فروى ابن عباس أن قوما كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فإن أعطاهم مدحوا الإسلام وإن منعهم ذموا وعابوا.[5]

وأما المؤلفة قلوبهم المسلمون فإنهم يعطون من الزكاة لنص الآية الكريمة، وهم أربعة أصناف:[6]

  • قوم أسلموا، ونيتهم في الإسلام ضعيفة، لأنهم حديثو عهدٍ بالإسلام، فتتألف قلوبهم، ليقوى إيمانهم ونيتهم، ويألفون المسلمين، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم (أعطى أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، لكل أحد منهم مائة من الإبل) [7].
  • قوم أسلموا، ونيتهم في الإسلام قوية، ولهم شرف في قومهم، فيعطون من الزكاة ليرغب نظرائهم في الإسلام[8].
  • قوم من المسلمين في الثغور وحدود بلاد الأعداء، يعطون لما يرجى من دفاعهم عمن ورائهم من المسلمين إذا هاجمهم العدو.[9]
  • قوم من المسلمين يحتاج إليهم لجباية الزكاة ممن لا يعطيها إلا بنفوذهم وتأثيرهم إلا أن يقاتلوا، فيختار بتأليفهم وقيامهم بهذه المساعدة للحكومة أخف الضررين وأرجح المصلحتين، وهذا سبب جزئي قاصر، فمثله ما يشبه من المصالح العامة.[10]

 

ثانياً: مفهوم المؤلفة قلوبهم عند وزارة الشؤون الإسلامية بالمالديف

أولاً: تعريف (المؤلفة قلوبهم) عند الوزارة:

المؤلفة قلوبهم لدى وزارة الشؤون الإسلامية هم الذين يعطى لهم من أموال الزكاة لتأليف قلوبهم للإسلام، وتشويقهم للدخول في الإسلام، أو من يعطى لهم لتجنب خطرهم، أو يعطى لهم لأن يدافعوا عن الإسلام والمسلمين من أعدائهم ومن يقوم بإعطائهم لا بدّ أن يكون رئيس الدولة أو ينوب عنه، لأنه وراء ذلك أهداف ومقاصد سياسية، وشرعية.[11]

ثانياً: أنواعهم كما يراها وزارة الشؤون الإسلامية

  • قوم يرجي إسلامهم إذا أعطوا من أموال الزكاة: وبالأخص الوجهاء من الناس، وزعماء القبائل، وذوي الشأن. لأن إسلامهم يكون نصراً للإسلام والمسلمين.[12]
  • المسلون الجدد: يجوز إنفاق أموال الزكاة لهم لتوعيتهم بالإسلام، وتثقيفهم وتعليمهم العقيدة الإسلامية. أو بناء مؤسسة لتربيتهم ورعايتهم.[13]
  • المدافعون عن الإسلام: ويجوز إنفاق أموال الزكاة لحل المشاكل ولمواجهة التحديات التي تواجه الإسلام والمسلمين، وذلك من خلال الإنفاق على المفكرين والمثقفين.[14]

 

ثالثاً: مراعات الأمور الآتية:

تقرر الوزارة أموراً لابد من مراعاتها للانفاق على المؤلفة قلوبهم، وهي كالتالي:[15]

  • الإنفاق على المؤلفة قلوبهم له مقاصد شرعية وسياسية، فلابد من الوصول إلى تلك الأهداف السامية من خلال الإنفاق.
  • سهم مؤلفة القلوب يكون سهماً متوسطاً لا أكثر. حتى لا تضر المصارف الأخرى.
  • ألا يكون الإنفاق على من يكره الإسلام كرهاً شديداً أو يعاديه. أو غير ذلك مما لا يكون فيه نفعٌ للإسلام والمسلمين.

ويقدم الوزارة لكل من يسلم ما بين 10.000 – 20.000 ألف روفية مالديفية لتحسين حالته الاقتصادية والمعيشية. [16]

رأي الباحث في تطبيق (مصرف المؤلفة قلوبهم) في المالديف

وإذا كان حكم المؤلفة قلوبهم وإعطائهم من الزكاة باقياً محكماً لم يلحقه نسخ ولا إلغاء، فكيف نصرف هذا السهم المخصص لهم في عصرنا؟

إن الجواب عن هذا واضح مما ذكرناه من بيان الهدف الذي قصده الشارع من وراء هذا السهم، وهو استمالة القلوب إلى الإسلام أو تثبيتها عليه، أو تقوية الضعفاء فيه، أو كسب أنصار له، أوكف شر عن دعوته ودولته. وقد يكون ذلك بإعطاء مساعدات لبعض الحكومات غير المسلمة لتقف في صف المسلمين، أو معونة بعض الهيئات والجمعيات والقبائل ترغيباً لها في الإسلام أو مساندة أهله، أو شراء بعض الأقلام والألسنة للدفاع عن الإسلام وقضايا أمته ضد المتفرقين عليه.[17]

كما أن الذين يدخلون في دين الله أفواجاً كل عام لا يجدون من حكومات البلاد الإسلامية أي معاونة أو تشجيع. والواجب أن يعطوا من هذا السهم ما يشيد أزرهم ويسند ظهرهم، كما جاء عن الإمام الزهري والحسن البصري على حين تقوم الإرساليات التبشيرية باحتضان كل من يعتنق المسيحية وإمداد هذه الجمعيات التبشيرية المسيحية وتمولها وتمدها مؤسسات ودول بالملايين وعشرات الملايين كل عام، وليس في دينهم ما في ديننا من زكاة مفروضة يصرف جزء منها على تأليف القلوب وتثبيتها على الإسلام.[18]

ويمكن الاستفادة من مصرف مؤلفة القلوب في تعزيز مكانة الإسلام من خلال الأمور الآتية:[19]

  • التأليف عن طريق تقديم العون المادي وهدايا إلى رؤساء الدول أو القبائل في مناطق الكوارث كالزلازل والفيضانات والمجاعات.
  • دفع الزكاة إلى أعضاء مجالس النواب وجماعات الضغط ومتخذي القرارات من أجل العمل على تخفيف الضغوط على المسلمين وكف أذاهم ونصرة قضاياهم.
  • دفع الزكاة إلى كبار رجال الإعلام في تلفزيونات وكبريات الصحف ووكالات الأنباء ومنتجي الأفلام ونحوهم من الإعلاميين، إما لنصرة قضايا المسلمين أو تخفيف الأذى عنهم.

وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن تفعيل دور الزكاة في مكافحة الفقر وتنظيم جمعها وصرفها بالاستفادة من الاجتهادات الفقهية، ما يلي[20]:

  • سهم المؤلفة قلوبهم باق ما بقيت الحياة لم يسقط ولم ينسخ، ويكون حسب الحاجة والمصلحة فحيثما وجدت المصلحة أو دعت إليه الحاجة عمل بهذا السهم.
  • يجوز إعطاء الزكاة لتأليف قلوب من أسلم حديثاً تثبيتاً لإيمانه وتعويضًا له عما فقده، وكذلك إعطاء الكافر إذا رجي إسلامه أو دفعاً لشره عن المسلمين.
  • يجوز تقديم الدعم من أموال الزكاة للمنكوبين من غير المسلمين في مناطق الكوارث والزلازل والفيضانات والمجاعات تأليفًا لقلوبهم.

 

[1] الشوكاني، محمد بن علي، فتح القدير الجامع بين فن الرواية والدراية من علم التفسير، (دم: عالم الكتب، د.ت،) ج 2، ص 372- 373.

[2] القرطبي، عبدالله محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، (بيروت: دار الفكر، ط1، 2003م)، ج 4، ص 2354.

[3] المصدر السابق، ص 606.

[4] الزحيلي، المعتمد في الفقه الشافعي، ج 2، ص 111.

[5] الزحيلي، المصدر السابق، ج 2، ص 111.

[6] الشيرازي، المهذب في فقه الإمام الشافعي، ج1، ص:315

[7] الشوكاني، فتح القدير، ج 2، ص: 337.

[8]ينظر: الشيرازي، المهذب في فقه الإمام الشافعي،ج1، ص: 315، وابن قدامة، الكافي في الفقه على مذهب الإمام أحمد، ص:16-17. والزحيلي، المعتمد في الفقه الشافعي، ج 2، ص: 112.

[9] القرضاوي، فقه الزكاة، ج2، ص: 608.

[10] القرضاوي، المصدر السابق، ص: 608.

[11]Mohamed, Ahmed Farooq, Zakaathuge Hukumthakuge Hukumthakuge Khulaasaa, Ministry of Islamic Affairs, Male (2010), p. 104.

[12] Ibid., p. 104.

[13] Ibid., p. 104.

[14] Ibid., p. 104.

[15] Ibid., p. 104.

[16] Ministry of Islamic Affairs, Mudhalu Zakaathuge Faysaa Behumah Keerithi Quruaanugai Angavafaivaa Baythakah Behubattakai Hamajehifaivaa Gothaai, Behumugai Amalukuranvee Gotaamedhu Kandalhaafaivaa Usool. Ministry of Islamic Affairs. 2001. p.2

[17] القرضاوي، فقه الزكاة، ج2، ص: 620.

[18] القرضاوي، المصدر السابق ص 620- 621. بتصرف يسير.

[19] أحمد، أحمد محيي الدين، مصارف الزكاة التطبيقات المستجدة، ص: 26.

[20] المجمع الفقه الإسلامي، قرار رقم 165 (3/18) بشأن تفعيل دور الزكاة في مكافحة الفقر وتنظيم جمعها وصرفها بالاستفادة من الاجتهادات الفقهية، (الدورة الثامنة عشر (ماليزيا) من 24 إلى 29 جماد الأخرة 1428هـ، الموافق 9- 14 يوليو 2007م).

روابط
Comments

ހިޔާލު ދެއްވާ!

Your email address will not be published. Required fields are marked *