هل هناك تناقض بين الإسلام والعلم؟ أم أن العلاقة بينهما علاقة ترابط وتآلف وتعاضد واتفاق؟
كثيراً ما يطرح هذا التساؤل من قبل المهتمين بالعالمين عالم العلم وعالم الدين. وللإجابة على هذا التساؤل نقول:
يظن بعض الناس أن الإسلام يصادم العلم ويناقضه ويعاديه، وهذا ناشئ عن مقررات سابقة في أذهان هؤلاء، وهي أن الدين والعلم لا يتفقان، وذلك لأن ممارسات رجال الدين النصارى في أوروبا – في العصور الوسطى – وفرضهم على الناس خرافات علمية يجب التصديق بها باسم الدين- هي التي جعلت الناس بعد قيام الثورة الصناعية في الغرب يتنكرون الدين- أي دين- ولوكان صحيحاً وقد أى الأوان لتصحيح هذه النظرة الخاطئة فيما يتعلق بالإسلام على وجه الخصوص. [i]
وواجب كل مسلم ألا يختلط عليه الأمر في حقيقة كل من الدين والعلم، أو أن ينظر إليهما على اعتبار أن كلا منهما مستقل عن الآخر، إذ الواقع أنهما صنوان متكاملان أصلا ومتحدان غاية ومنهجا لخدمة البشرية، فلا الدين يجافى العلم ولا العلم يعارض الدين، بل إن الدين بدوره يحض على طلب العلم والاستزادة منه، كما أن نور العلم يظهر لنا ما في الدين من جلال وبهاء وسمو روحي.[ii]
والمسلمون يعيشون الآن في عصر زاهر بالعلم وقد بهرهم فيه ما وصل إليه أهل أوروبا وأمريكا من تفوق ظاهر في العلوم والفنون والآداب وبخاصة علم التكنولوجيا وقد سبقوا فيها الدول الاسلامية بأشواط بعيدة الامر الذى جعل ضعاف العقول يسيئون الظن بالاسلام ويحسبون أنه سبب قصورهم وتخلفهم في ذلك المضمار، وهم في ذلك الوهم نسوا أو تناسوا أن الدين الاسلامي بقرآنه المجيد وسنته المطهرة هو الذى خلق من العرب أهل البادية خير أمة أخرجت للناس وأسسوا أعظم الدول وأرقى الحضارات وأكثر الاصول العلمية التى اقتبس أهل الغرب منها علومهم وفنونهم.[iii]
فالإسلام لم يكن عدوا للعلم في يوم من الأيام، إذ هو دين العلم بالدرجة الأولى، بل كان حاضنا له يدل على ذلك أن أول الآيات التي تنزلت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي قوله تعالى : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [iv]
كما وضع الله خلق الإنسان بين عالمين في قوله تعالى: (الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ ) [v] لتكون وظيفته – بالبحث والعلم والعقل – إيجاد الصلة بين الحقائق الإنسانية والاكتشاف العلمية، وصدق الله العظيم حيث يقول: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) [vi]
ولأهمية العلم وخطره في التأثير على مسار الإنسان ووجدنا القرآن الكريم يميز في الدرجة الأولى بين أهل العلم وبين غيرهم، فيقول عز من قائل : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [vii] ويقول : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ) [viii]
وحتى لا يغتر أهل العلم بعلمهم واكتشافاتهم أخبرنا الله تعالى أن كل ما يكشف من حقائق لن يكون النهاية، فكل حقيقة علمية يكشفها الإنسان مت هي إلا بداية لحقائق أخرى أعمق منها، لأن المستأثر بالعلم الكامل هو الله وحده خالق هذا الكون،[ix] قال تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)[x]وقال جل شأنه: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ )[xi]
هذا، والمتأمل في سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم يجد نصوصاً لا حصر لها تحث على فضل العلم وأهمية تحصيله، ومنها ، ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) ، و عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعلمُوا الْعلم فَإِن تعلمه لله خشيَة وَطَلَبه عبَادَة، ومدارسته تَسْبِيح، والبحث عَنهُ جِهَاد، وتعليمه من لَا يُعلمهُ صَدَقَة، وبذله لأَهله قربَة)[xii]، و عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا، وَيُعَلِّمُهَا).
ولا ريب ؛ إن كل هذا يؤكد العلاقة بين الإسلام والعلم ، ومن هذا المنطلق، كان اهتمام الشريعة الإسلامية بالعلم والتقدم التقني، وحرصَ المسلم على طرق كل أبواب المعرفة وملاحقة تطوراتها المستمرة بالدراسة والتحليل، مما كان له أبلغ الأثر في تطور العلوم في مختلف المجالات لتظل دائماً الشريعة الإسلامية، كما أراد الله تعالى، صالحة لكل زمان ومكان. [xiii]
ومما سبق يتضح، أنه لا يمكن التصادم بين حقيقة عملية وآية قرآنية قطعية الدلالة، ولا بين حقيقة علمية وحديث نبوي قطعي الدلالة والثبوت أيضاً، ذلك أن الحقيقة العلمية والوحي بقسميه صادران من أصل واحد، فالحقيقة من الله، فهو الذي جعلها كذلك، ودور الإنسان أن يكشف عنها، لا إيجادها، والوحي كذلك، وإذا لوحظ أن هناك اختلافاً، فليس بين علم ودين، بل بين دين وجهل أخذ سمة العلم، أو بين علم ولغو لبس سمة العلم، وستري أن القرآن مستقيم – كل الاستقامة – مع كل الكشوف التي يميط العلم عنها الستار، وذلك – لا ريب- من دلائل صدقه، وآيات إعجازه. [xiv]
المصادر والمراجع
[i] عبيدات، عبد الكريم نوفان، الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ( بحث منشور بمجلة الشريعة والدراسات الإسلامية- الكويت ، السنة الثالثة عشر، العدد: الخامس والثلاثون، ربيع الآخر1419هـ، أعسطس 1998م ) ص 21 .
[ii] إبراهيم، محمد إسماعيل، القرآن وإعجازه العلمي ( بيروت: دار الفكر العربي، د.ط، د.ت ) ج 1 ، ص 5
[iii] المصدر السابق ، ج 1، ص 4
[iv] سورة العلق ، الآيات : 1- 5
[v] سورة الرحمن ، الآيات : 1-4
[vi] سورة فاطر ، من الآية : 28
[vii] سورة الزمر ، من الآية : 9
[viii] سورة المجادلة ، من الآية : 11
[ix] انظر: عبد الدايم، حسني محمود، البصمة الوراثية ومدى حجيتها في الإثبات ( الإسكندرية: دار الفكر الجامعي، ط 1 ، 2007م ) ص 31 – 32
[x] سورة الإسراء، من الآية : 85
[xi] سورة يوسف، من الآية : 76
[xii] المنذري، عبد العظيم بن عبد القوي، الترعيب والترهيب، تحقيق : إبراهيم شمس الدين ( بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1417هـ ) كتاب العلم، حديث : 107 ) ج1، ص 52
[xiii] انظر: عبد الدايم، حسني محمود، البصمة الوراثية ومدى حجيتها في الإثبات ، ص 36
[xiv] الغزالي، محمد الغزالي، نظرات في القرآن ( القاهرة: دار الكتب الحديثة، د.ط، 1382هـ ، 1962 م ) ص 137


