الضريبة وطبيعتها: أوجه الشبه والإختلاف بين الضريبة والزكاة

هذا بحث يتناول مفهوم الضريبة وطبيعتها، كما يتضمن أوجه الشبه والاختلاف بين الزكاة والضريبة، ويتكون من مطلبين، الأول: يتحدث عن تعريف الضريبة في اللغة والاقتصاد، والثاني: عن أوجه التشابه والاختلاف بين الزكاة والضريبة.

المطلب الأول: تعريف الضريبة في اللغة والاقتصاد

جاء في كتب اللغة أن الضريبة من باب ضرب: وضريب الشيء مثيله وشكله، والضريبة واحدة الضرائب التي تؤخذ في الجزية ونحوها، ومنه ضريبة العبد وهي غلته، والضريبة: المضروب بالسيف، وإنما دخلته الهاء وإن كان بمعنى مفعول إلاّ أنه صار في عداد الأسماء. [i]

وفي لسان العرب: الضريبة: المضروب بالسيف، وهي واحدة الضرائب التي تؤخذ في الأرصاد والجزية ونحوها، والضريبة: ما يؤدي العبد إلى سيده من الخراج المقرر عليه ومنه ضرائب الأرض، وهي وظائف الخراج عليها، وضرب على البعد الأتاوة ضرباً.[ii]

الضريبة في الاصطلاح المالي:

الضريبة كما عرَّفها علماء المالية: فريضة إلزامية. يلتزم الفرد بأدائها إلى الدولة، تبعًا لمقدرته على الدفع، بغض النظر عن المنافع التي تعود عليه من وراء الخدمات التي تؤديها السلطات العامة، وتستخدم حصيلتها في تغطية النفقات العامة من ناحية، وتحقيق بعض الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسة وغيرها من الأغراض التي تنشد الدولة تحقيقها من ناحية أخرى [iii].

تقوم الدولة بفرض الضرائب وإلزام الأفراد بدفعها لا ليتم الإنفاق منها على مصالح الحكام ومعاونيهم، وإنما للقيام بمهام الدولة وتسيير مرافقها العامة التي يستفيد منها مجموع الشعب، أي أن الغرض من فرض الضريبة هو تحقيق المصلحة العامة عن طريق الإنفاق العام، وعلى ذلك فالغرض من الضريبة لا يمكن قصره على تغطية الهدف المالي بل يشمل بجوار ذلك التغيير في البنيان الاقتصادي والاجتماعي، وفي تحقيق التوازن الاقتصادي وفي التأثير على مستوى التشغيل ومحاربة البطالة، وللحفاظ على الصحة العامة، وغير ذلك من الأهداف.[iv]

المطلب الثاني: أوجه التشابه والإختلاف بين الزكاة والضريبة

أولاً: أوجه التشابه بين الزكاة والضريبة

من أهم أوجه التشابه بين الزكاة والضريبة ما يلى:

  • تُؤدي الزكاة جبراً وقسراً إن لم تدفع طواعيةً، كما تُؤدى الضريبة أيضاً جبراً و قسراً إن لم تدفع طواعيةً. [v]
  • الزكاة تدفع إلى الدولة أو الإمام أو من يمثله، وهم الذين سماهم القرآن الكريم بــ(العاملين عليها)، وقد قام هؤلاء العاملون عليها بأداء المهمة منذ عهد النبي – صلى الله عليه وسلم- واستمر وجودهم في ظل الدولة الإسلامية في مختلف العصور، حتى توقف هذا الأمر في العصر الحديث نتيجة غياب الدولة الإسلامية وتخلى الحكومات المعاصرة عن مهمة الزكاة، ويمكن أن تقوم كلجان الزكاة بهذه المهمة ولو بشكل جزئي، والضريبة كذلك يجب أن تدفع إلى الدولة، والجهات المختصة بالضرائب فيها.[vi]
  • من حيث الأهداف العامة للضرائب والزكاة، الهدف من الضريبة توفير المال اللازمة لتغطية النفقات العامة، من أجل المصالح العامة، والزكاة أيضاً لها أهداف أبعد مدى وأوسع أفقاً، فهي أداة اقصادية، تقصد تشجيع استثمار وتنميتها وأداة لإعادة التوزيع الدخل والثروات. [vii]

يوجد تشابه شكلي بين الزكاة والضريبة المعاصرة من حيث احتوائها على عنصر الإلزام، وتولي الدولة بما لها من سيادة الجباية والإنفاق، وعدم وجود مقابل، والأهداف الاجتماعية، والمالية، والاقتصادية، ولكنه مجرد تشابه شكلي لا يوجد مقارنة بينهما لاختلاف جوهر كل منهما.[viii]

ثانياً: أوجه الاختلاف بين الزكاة والضريبة

على الرغم من وجود بعض أوجه التشابه بين الزكاة والضريبة إلا أن هناك العديد من الإختلافات الجوهرية بين كل منهما، ويمكن حصر أهم أوجه هذه الإختلافات فيما يلى[ix]:

  • من ناحية فرضيتها: فالزكاة عبادة مالية، وهي خاصة بالمسلمين، تقترن بها روح الإيمان والإخلاص لله تعالى، والضريبة فريضة مالية تفرضها الدولة، من أموال الأفراد سواءٌ كانوا مسلمين أو غيرالمسلمين، وهي بعيد كل البعد عن المعاني الإيمانية، من إخلاص واحتساب، أو وازع ديني.[x]
  • من حيث دلالة المُصطلح: فإن مُصطلح ” الزكاة ” يعنى الطهارة والنماء والصلاح والبركة، وكلها دلالات تجعل الفرد يخرج زكاة ماله وهو مُستشعر لهذه المعانى، فتخرج الزكاة منه عن طيب خاطر، فى حين يدل مصطلح ” الضريبة ” على العبء والإلزام والغرامة، وهى معانى تجعل الفرد ينظر إليها على أنها مغرم، ومن ثم فهو يعمل جاهداً على التفلت منها. [xi]
  • من حيث طبيعة كل منهما: فإن الزكاة عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه كالصلاة والصيام والحج، ولذا كان لابد لها من النية، باعتبارها شرطاً لقبول الأعمال عند المولى سبحانه وتعالى. أما الضريبة فهي إلتزام مدنى محض خال من كل معاني العبادة و التقرب إلى الله [xii].
  • من حيث كونها ركناً في الإسلام: فإن الزكاة تمثل الركن الثالث من أركان الإسلام الخمس التى لا يقوم إلا بها، فى حين تمثل الضريبة أحد الواجبات المالية التى يجوز لولى الأمر فرضها بضوابط معينة. ويترتب على ذلك أنه يجب على الفرد إخراج الزكاة – طالما توافرت شروطها – حتى ولو تصورنا انعدام الحاجة إليها، أما الضريبة فهى تزيد وتقل تبعاً للنفقات العامة للدولة، بل وقد تلغى[xiii].
  • من حيث الخاضعين لها: حيث أن الزكاة عبادة فهى لا تجب إلا على المسلم الذي تتوافر فى ماله شروطاً معينةً بخلاف الضريبة التى تفرض على المسلم وغير المسلم. [xiv]
  • من حيث الثبات: الزكاة واجبة وثابتة في ذمة المكلف سواء طالبت الدولة بها أم لا؟ أما الضريبة فلا يلتزم بها المكلف إلا إذا طالب بها الدولة.[xv]
  • من حيث الأهداف والمقاصد: للزكاة أهدافها ومقاصدها الروحية كتطهير نفس المُزكي من البخل والشح، وتطهير نفس الفقير من الحقد والحسد والغل. بينما نجد أن أهداف الضريبة بعيدة كل البعد عن هذه الأهداف والمقاصد. [xvi]
  • من حيث طبيعة الأموال التى تجب فيها: فالزكاة لا تجب إلا في الأموال الطيبة متى توافرت فيها الشروط الموجبة لها، بينما نجد أن الضريبة لا تفرق بين المال الطيب والخبيث، فكلاهما مادة للضريبة. [xvii]
  • من حيث وقت الأداء: فالزكاة تجب فى نهاية كل حول هجرى – أى فى نهاية كل سنة قمرية – بينما أن الأصل أن تستحق الضريبة فى نهاية كل سنة ميلادية. [xviii]
  • من حيث المصارف: فمصارف الزكاة محددة بنص الآية 60 من سورة التوبة: ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) بينما نجد أن مصارف الضريبة توجه لتغطية النفقات العامة للدولة. [xix]
  • من حيث مكان الصرف: فالأصل أن تصرف الزكاة فى الإقليم الذي جمعت منه ولا تنقل منه إلا عند وجود مسوغ شرعي يستدعي ذلك. أما الضريبة فالأصل فيها أن تجمع من الأقاليم المختلفة وتُرسل إلى الخزانة العامة للدولة. [xx]
  • من حيث جزاء مانعها: تتوقف عقوبة التهرب من الضريية وعدم دفعها على العقوبة الدنيوية في حين تمتد عقوبة مانع الزكاة إلى العقوبة الأخروية.[xxi]

ويتضح مما سبق أن الزكاة فريضة مالية ذات طابع خاص، فهي متميزة فى طبيعتها وقواعدها وأنصبتها ومقاديرها ومصارفها ومقاصدها.

ولا تعني هذه الفروق حث الناس على عدم أداء الضرائب بل هي من حقوق المجتمع لتمويل الخدمات العامة التى تخرج عن نطاق مصارف الزكاة مثل الأمن والتعليم والعلاج ونحوه، وإن كان هناك انحراف فى توجيه حصيلتها فيقع الإثم على ولي الأمر وبطانته وعلينا أن ندعوهم إلى الخير ونأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر.

ومن ناحية أخرى نناشد أولياء أمور المسلمين المعنيين بأمور الضرائب بتطبيق نظام زكاة المال، وتطوير وإصلاح النظم الضريبية القائمة فى ضوء أحكام الزكاة، عندئذ تتحقق البركة والنفع مصداقاً لقول الله تبارك وتعالى: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ﴿١٢٣﴾وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ ).[xxii]

فالزكاة تدفع من الأصل لكونها ركناً من أركان الدين ولصالح مجتمع يتمتع المزكي فيه بحمايته وماله وأهله، فعليه أن يقوم بمعاونة أبناء ذلك المجتمع ومساعدتهم دون نظر إلى المنافع الخاصة التي تعود عليه من أداء الزكاة، وكذلك الضريبة تدفع بغض النظر إلى المنافع الخاصة التي تعود عليه المجتمع، وإن كان يستفيد من المنافع والخدمات العامة التي تنفق الضريبة في إقامتها واستمرارها.[xxiii]

المصادر والمراجع:

[i][i] الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح، (بيروت: دار المعلمين، د.ط.دت) ج، 1، ص: 168-169.

[ii] لسان العرب، مادة ضرب،.

[iii] نعمان، أحمد فكري، النظرية الاقتصادية في الإسلام، (بيروت: المكتب الإسلامي، ط 1، 1985م) ص:397.

[iv][iv] منازع، حسين على محمد، العلاقة بين الزكاة والضريبة ((بحث علمي قدم لندوة التطبيق المعاصر للزكاة- جامعة الأزهر- 14- 16- 1998م)، ص: 17.

[v] أبو النصر، عصام، العلاقة بين الزكاة والضريبة (بحث علمي – صندوق الزكاة – دولة الإمارات العربية المتحدة) ص: 2.

[vi] عماوي، عارف حسن، دور الزكاة في التمنية الاقتصادية، (رسالة علمية قدمت لجامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين2010م)، ص: 117.

[vii] حسونة، فاطمة، أثر كل من الزكاة والضريبة على التنمية الاقتصادية، (رسالة علمية قدمت لجامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين2010م)، ص: 89.

[viii] السريتي، السيد محمد، الزكاة والضرائب المعاصرة، (بحث علمي قدم لندوة التطبيق المعاصر للزكاة- جامعة الأزهر- 14- 16- 1998م)، ص: 17.

[ix] أبوالنصر، العلاقة بين الزكاة والضريبة، ص: 3.

[x] شبير عثمان، من أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة، ص: 630.

[xi] أبو النصر، العلاقة بين الضريبة والزكاة، ص: 3.

[xii] المصدر السابق، ص: 3.

[xiii] المصدر السابق، ص: 3.

[xiv] المصدر السابق، ص: 3.

[xv] عماوي، دور الزكاة في التنمية الاقتصادية، ص: 120.

[xvi] أبو النصر، العلاقة بين الضريبة والزكاة، ص: 4.

[xvii] المصدر السابق، ص: 4.

[xviii] المصدر السابق، ص: 4.

[xix] أبو النصر، العلاقة بين الضريبة والزكاة، ص: 4.

[xx] المصدر السابق، ص: 4.

[xxi] حسونة، فاطمة، أثر كل من الزكاة والضريبة على التنمية الاقتصادية، ص 91.

[xxii] سورة طه، الآية: 123-124

[xxiii] منازع، حسين علي، العلاقة بين الزكاة والضريبة، ص:19

روابط
Comments

ހިޔާލު ދެއްވާ!

Your email address will not be published. Required fields are marked *