إن الذي يجب أن يكون معلوماً لدى الجميع ، أن البصمة الوراثية باعتبارها وسيلة علمية حديثة إنما يكمن سر أمرها في انعدام الفراش واللعان اللذين هما الدليلان القطعيان المقام عليهما أمور النسب وأحكام الزوجية بين الزوجين ، إنما يظهر ويبرز دوؤ البصمة الوراثية متى ما انعدم الدليل الشرعي كالفراش واللعان والشهادة وقيام الزوجية بين الزوجين .
لكن لما كانت البصمة الوراثية أقوى من القافة على اعتبار أن القافة خبرة نظرية والبصمة الوراثية علمية وعملية فكانت أقوى من القافة ،كان ذلك هو السبب في اتفاق جميع علماء العصر في الوطن العربي على تقديم البصمة الوراثية على القافة .
وحاصل الأمر أنه قد يحدث أن تعرض المحكمة من تلقاء نفسها على الزوج إجراء البصمة الوراثية على الولد ، دون أن يطلب الزوج منها هذا، فهل من حق القاضي أن يعرض مثل هذا الأمر من تلقاء نفسه أو بناء على طلب أحد الزوجينالماثلين أمام القاضي؟ وهل إذا بلغ الأمر للقضاء يحق للمحكمة إجراء البصمة الوراثية وتأخير اللعان إلى حين التأكد من شرعية الولد أم لا ؟ ما هي وجهة نظر الشارع في هذا ؟
الجواب على هذا السؤال أنه لا يجوز للمحكمة تأخير اللعان لحين التحليل البيولوجي للتأكد من نسب الولد ولا حتى عرض البصمة الوراثية على الزوجين، لكن هنالك فريق من العلماء يجوزون ذلك[i]، لكننا نؤكد عدم جواز ذلك، وذلك للأسباب الآتية :
أولاً :إن القول بهذا الأمر ، يعتبر تجميداً للنصوص الشرعية التي يلتزم فيها القضاء بأن يطبقها كما هي عليه من عند الله تعالى ، والنص الشرعي هو اللعان ، وبالتالي لا يجوز تجميد أو تأخير نص شرعي وقطعي قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع ، من أجل دليل علمي حديث لا يتفق ي قوته وعلته مع اللعان ، لأن الأصل والحكمة من اللعان، هو درء الحد ونفي النسب .
والدليل على هذا السبب هو قول الله تعالى : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [ii]، حتى جاءت الآية بعدها وقالت : (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [iii] ، قال أهل التفسير : ( أي أحكم بينهم بما نزل إليك من الله من أحكام وتعاليم ونصوص شرعية ، وبالحق ، إذ لا أحسن من حكم الله ، فهو الحق الهادي إلى السبيل ، ولا يجب أن تتبع الهوى وميل النفس إلى الضلال وأن لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء الجهلة الأشقياء )[iv]
والرسول – صلى الله عليه وسلم لم يؤخر اللعان ولم يعرض الصلح ، ولم يؤخره غير أنه عند ما وصل الزوج في الخامسة قال له : (يَا هِلَالُ، اتَّقِ اللهَ، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ ) وهذا من باب الوعظ والنصح ، لا من باب تأخير الملاعنة [v].
ثانياً :أن الزوج حينما يمثل أمام القاضي ، وقد رفع دعوى النسب ، يكون قد ارتكب جرماً في حق مسلمة وهو القذف ، لأن الزوج لن يمثل أمام القضاء إلا وهو راغب كل الرغبة في نفي ولده منه ، ونفي الولد هو قذف للزوجة وإن لم يصرح بالزنى،[vi]ولما كان كذلك كان من حكمة اللعان درء الحد وهو أن يلاعن الزوج ، فلو تم تأخير اللعان من أجل البصمة الوراثية ثم جاءت النتيجة في صالح الزوجة نكون بهذه الطريقة قد أخرنا حد القذف لأن اللعان أقيم مقام البينة ، فأيمانه حجة قبلها الشرع وأعطاها إياه ، فلو جاءت النتيجة لصالح الزوجة لم يحسم أمر القذف وهو درء الحد لقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ)[vii]، وبالتالي ضاع حق من حقوق الله تعالى وهو حد القذف لأن فيه حق الله .
وأما تقرير البصمة الوراثية في هذه الحالة فلا يعدوا أن يكون مجرد وسيلة علم بها شرعية الولد فقط ، لكن البصمة الوراثية لا تسقط حد القذف إلا بلعان الزوج نفسه لأن اللعان لدرء عقوبة القذف ونفي النسب الباطل ، فهل تقبل الزوجة بإلحاق نسب الولد بزوجها دون مطالبتها بحد القذف والانتصار لشرفها وعرضها .
قد يقول قائل : إن هذا الحق للزوجة ، فلها المطالبة ولها العفو ، أقول نعم لأن الذي عليه الحمهور أن لا يعرض للحد حتى تطالبه زوجته ، لأن الحق لها فلا يستوفي من غير طلبها كالدين[viii] ، فما السبيل لوطالبت به الزوجة ، أيعقل زوج يولي ظهره الحد ولا يستنصر لنفسه ؟ إذاً في المقابل تنشأ البغضاء والتشاحن من كلا الطرفين .
وقد يقول قائل إن من مصلحة الزوجة أن لا تطلب الحد على زوجها الذي قذفها لمصلحتها ومصلحة الولد وبالتالي لا ملاعنة . أقول قد سلمت لك بشيء من هذا يسير ولكن استمع إلى الحجة الثالثة [ix].
ثالثاً :إن القول بأن اللعان يؤخر لحين التحليل البيولوجي بناء على أمر من القاضي هو قول وعمل من باب الفراسة ، والاحتمالات القائمة على علم الغيب الذي استأثر الله به لنفسه ما قال تعالى : (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)[x] وبالتالي يكون القاضي قد فتح على نفسه زوبعة من المشاكل ليس مكلفاً أن يبحث فيها ، ولا هو مطالب بأن يتحراها أصلاً بنفسه عن حكم الله تعالى كيف ذلك [xi]؟.
أقول قد سلمت بأن النتيجة قد تأتي إيجابية لصالح الزوجة ، لكن ما هو العمل لو جاءت النتيجة سلبية خلاف ما كانت تتوقع الزوجة ، وأثبتت البصمة الوراثية أن الولد غير شرعي ، فما السبيل وكيف الخلاص من هذا كله ؟.
في هذه الحالة يكون القاضي قد فتح على نفسه باباً من المشاكل ، كان له أن يتفاداه باللعان وينهي المسألة ويرضى ضميره وربه وينتصر للكتاب والسنة بدل أن ينتصر للزوجة على حساب الزوج يا رعاك الله إلى جانب السلبيات في هذه الحالة :
أ –القاضي تيقن أن الزوجة زانية وأن الولد غير شرعي .
ب- الزوج قد تقوت حجته وبينته على زوجته لأنه قَبْلَ البصمة الوراثية لم يكن ذو بينة ، وبالتالي قد تثور حميته ويؤدي ذلك إما إلى الإنتقام منها بقتلها أو ضربها أو التشهير بها بالبصمة الوراثية ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح .
ج –قد تعترف الزوجة أمام القاضي بناء على تقرير البصمة الوراثية خوفاً من الفضيحة ولهيبة القضاء وتداول القضية على مسمع ومرآى من الناس وسبب الاعتراف هو التحليل البيولوجي .
د – القاضي الآن أوقع نفسه في حيرة ومشاكل في غنى عنها ، فهو إما أن يتم اللعان للزوج ويلاعن لأن الزوج قد تقوت حجته أمام القاضي وأصبح صادقاً ، فإن تم اللعان فماذا يفعل بامرأة ثبت لدى القاضي يقيناً أنها زانية ، لأنه قبل البصمة الوراثية كان مجرد شك ، وبعد أن جاءت التحاليل أصبح يقيناً، وماذا سيكون موقف القاضي عند اعتراف الزوجة بالزنى بناء على البصمة الوراثية ، هل سيعتبرها شبهة وإكراه أم سيعتبرها شبهة خوف أو خجل من الفضيحة .
وبالتالي وقع في نفس القاضي صدقالزوج وكذب الزوجة ، وهو خلاف الحديث أن أحدكما كاذب ، إذ إن إقدامه على التحليل وتأخير اللعان لا دليل عليه من الشرع قبل الملاعنة ، نظراً لوجود الفراش ، بخلاف الإقدام على الملاعنة دون النظر لصدق أحدهما فعليه نص وحديث صحيح وهو ( الله يعلم أن أحدكما صادق والآخر كاذب ) وبالتالي تبين للقاضي خيانة الزوجة صدقاً ويقيناً ، فهل يتجاهل القاضي ويناقض ما وقع في ضميره من زنى الزوجة ألا يعتبر هذا تناقضاً[xii].
رابعاً : وهذه هي الحجة الأخيرة ومقامها يقوم على قاعدة شرعية مليئة بها كتب القواعد الفقهية والفقه الإسلامي ، وهي درء المفاسد ، وجلب المصالح فأيهما سيرجح على الآخر ؟ ولنأخذ بداية المفاسد لأنها مقصود الشارع الإسلامي وهي التصدي لكل مفسدة ، إذ هو في المقابل تحقيق مصلحة ، سواء مصلحة خاصة أو عامة وهذه المفاسد هي :
- تأخير حد من حدود الله من أجل احتمال مبني على مصلحة قد تقع وقد لا تقع وهو حد القذف واللعان وهذا مناقض لقول الله تعالى : (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها)[xiii].
- القاضي لا يعلم صدق الزوجة من كذبها قبل التحليل البيولوجي والناس لا يعلمون أيهما الصادق من الكاذب فلجوء الزوج للملاعنة انتصار لشرفه وهيبته ، ولجوء الزوجة للعان انتصار لشرفها وعرضها ، وتبقى الحقيقة غامضة في علم الغيب لا يعلمه إلا الله علام الغيوب ، وبالتالي إذا شاع أمر الناس بين الناس فهو على ظنون وافتراءات ، لكن كلاً من الزوجين دافع عن نفسه باللعان وهذه مصلحة شرعية تنافض التحليل قبل اللعان .لكن إذا جاء التحليل البيولوجي فاضحاً للزوجة فقد تيقن القاضي فساد هذه الزوجة وتقوت حجة الزوج عليها ، فمن المفاسد أي يشهر بها بين الناس بهذا التقرير، وهذه مفسدة اجتماعية وشرعية .
- فتح هذا الباب أمام أهل القضاء يؤدي إلى تناقض وتضارب في الأحكام واستغلال سلطة القاضي في غير ما أحل الله تعالى ، وبالتالي وقوعه في مفسدة قد لا يجد الخلاص منها .
هذه أهم المفاسد التي استطعت استنباطها من هذه الواقعة وكما أن هنالك مفاسد تحول دون تحقيق التحليل البيولوجي قبل اللعان وتأخير اللعان من أجل التحليل ، فإن هناك مصالح شرعية ارتضاها المشرع السماوي لإصلاح ذات البين ومن أهم هذه المصالح :
- قوة وغلظة أيمان اللعان المقرونة بالغضب واللعنة والطرد من رحمة الله ، وكونه بعد صلاة مكتوبة وفي بيت من بيوت الله وأمام طائفة من المؤمنين، الأمر الذي يصيبه الزوج والزوجة بالخوف والرهبة من عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة والعقبة الوخيمة التي ستحل بالظالم من جراء فريته وعدوانه، كا هذه الأمور قد تحول دون إتمام اللعان وقد تنزل الشفقة والرأفة في قلب الزوج أو الزوجة وباتالي يعد أحدهما عن قراره ويعترف للقاضي ويتوب توبة نصوحة وقد ينتهي الأمر بالطلاق ، أو بعدم الملاعنة[xiv] .
- وهي مسألة الستر على هذا العرض والنسب الأصيل وإخفاء حقيقة غامضة في علم الغيب خير من فضيحة مسلم.
والخلاصة : فإني أرى – والعلم عند الله –أن إجراء التحليل البيولوجي (البصمة الوراثية) قبل اللعان وتأخير اللعان والانتظار لحين الفحص الطبي هو أمر لا دليل عليه من الشرع ، وفيه نوع من المخاطرة والمجازفة التي قد تنتهي بأمور لا تحمد عقباها ، ولا أنصح السادة القضاة بشق هذا الطريق لأنه يخالف حكمة الله تعالى من اللعان وشرعيته ، وقد يؤدي إلى احداث بدعة في الدين وتعطيل أحكام الله تعالى ، ونظراً لرجحان كفة المفاسد التي ستترتب على هذا العمل على كفة المصالح وللأسباب التي ذكرتها سابقاً فإني أرى عدم جواز تأخير اللعان من أجل البصمة الوراثية ، والله تعالى أعلم .
[i] انظر المصادر التالية بتوسيع : محمد المختار السلامي ، التحليل البيولوجي للجتنات البشرية وحجيته في الإثبات ، ج 2 ، 455 ، غنام محمد الغنام ، دور البصمة الوراثية في الثبات ، ج 2 509 ، وهبة الزحيلي ، البصمة الوراثية ودورها في الإثبات ، ج 2 ، 524 ، محمد رأفت عثمان، البصمة الوراثية ودورها في إثبا ونفي النسب، ج 2، ص 575 . ناصر عبد الله الميمان ، البصمة الوراثية وحكم استخدامها في مجال الطبي والنسب ، ج 2 ، ص 617 ، الجندي ، إبراهيم صادق وآخرون ، الفحص الجيني ودوره في قضايا التنازع على النسب وتحديد الحنس (مؤتمر الهندسة الوراثية بين الشريعة والقانون المنعقد من 22-24 صفر 1422هـ 5-7- 2002م، بجامعة الإمارات العربية المتحدة ) ج 2، ص 642 ، عمر محمد السبيل ، البصمة الوراثية ومدى مشروعية استخدامها في النسب والجناية ، ص 31 .
المصاردر والمراجع
[ii] سورة المائدة، من الآية 49
[iii] سورة المائدة، من الآية 50
[iv] الطبري، جامع البيان، ج8 ص503 بتصرف.
[v] خليفة على الكعبي ، البصمة الوراثية وأثرها على الأحكام الفقهية ، ص 498 .
[vi] الكاساني ، بدائع الصنائع ، ج 3 ، ص 371 .
[vii] سورة النور، من الآية 6
[viii] ابن قدامة المقدسي، الكافي في فقه الإمام أحمد، ج3 ص179.
[ix] خليفة على الكعبي ، البصمة الوراثية وأثرها على الأحكام الفقهية ، ص 500- 501 .
[x] سورة النمل، الآية 65
[xi] المصدر السابق ، ص 501 -502 .
[xii] انظر : المصدر السابق ، ص 502 – 505
[xiii] سورة البقرة ، من الآية : 229 .
[xiv] خليفة على الكعبي ، البصمة الوراثية وأثرها على الأحكام الفقهية ، ص 506 – 512.


