يُعَدُّ رحيلُ فضيلةِ الشيخِ إسماعيل محمد – رحمه الله تعالى – خسارةً جسيمةً للأمة الإسلامية في جمهورية المالديف، وللميدان العلمي والدعوي فيها. فقد أفنى أكثر من نصف قرن من عمره في خدمة العلم الشرعي وتعليمه، ونشر القيم الإسلامية، وتربية الأجيال، حتى أصبح اسمه مقروناً بتاريخ النهضة العلمية الإسلامية في البلاد.
وُلِد الشيخ في جزيرة ميدو بمحافظة دال، ونشأ في بيئةٍ عُرفت بالتمسك بالدين وحب العلم. وبدأ مسيرته التعليمية في جزيرة ماغودو بمحافظة فافو، في زمنٍ كان تحصيل العلم فيه محفوفاً بالمشقة وقلة الوسائل، غير أن نبوغه المبكر وتفوقه العلمي أهّلاه ليكون من بين الطلاب الذين اختيروا للانتقال إلى العاصمة ماليه لمواصلة تعليمهم. وهناك أقام في «دار الإقامة» المخصصة لطلاب الأقاليم، وأكمل دراسته في المدرسة المجيدية، أعرق المؤسسات التعليمية في المالديف آنذاك.
وبعد تخرجه، التحق بخدمة الدولة، فكانت أولى وظائفه في وزارة التجارة والتموين. إلا أن شغفه بالعلم والتعليم غلب ميوله إلى العمل الإداري، فاتجه إلى ميدان التربية والتعليم، حيث عمل مدرساً في المدرستين المجيدية والأمينية، وأسهم في إعداد أجيالٍ من الطلاب الذين ما زالوا يذكرون فضله ويشهدون بأثره التربوي والعلمي العميق.
رحلته العلمية والتعليم العالي
تاقت نفس الشيخ إلى المزيد من التحصيل العلمي، رغم ما كان يحيط بطلب العلم خارج البلاد من صعوبات مالية وتحديات مختلفة. فبذل من جهده وماله الخاص حتى تمكن من السفر إلى الهند، حيث التحق بجامعة دار السلام في ولاية تاميل نادو، ودرس اللغة العربية والعلوم الإسلامية.
ثم انتقل إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في المملكة العربية السعودية، ليحقق إنجازاً تاريخياً حين أصبح أول طالب مالديفي ينال شرف الدراسة في هذه الجامعة المباركة. وقد درس في كلية الدعوة وأصول الدين، كما أكمل برنامجاً متخصصاً في مناهج وطرق التدريس، فجمع بين رسوخ العلم الشرعي والخبرة التربوية الحديثة، وأصبح نموذجاً للعالم المربي والمعلم القدير.
بناء الكوادر العلمية وتأسيس مدرسة طيبة
لم يقتصر اهتمام الشيخ على طلب العلم لنفسه، بل جعل من حياته مشروعاً لبناء العلماء والدعاة وإعداد الكفاءات العلمية. وبفضل جهوده المباركة، أتيحت الفرصة لأكثر من مائة طالب مالديفي لمواصلة دراستهم الشرعية في باكستان وغيرها من البلدان الإسلامية، وكان لكثير منهم دور بارز في خدمة الدعوة والتعليم في المالديف.
وعقب عودته من المدينة المنورة، أسس «مدرسة طيبة» لتعليم العلوم الإسلامية باللغة العربية، وقد كانت هذه المدرسة منارةً علميةً رائدة، ودرس فيها عدد كبير من أبناء المالديف الذين حملوا رسالة العلم إلى مختلف أنحاء البلاد.
إسهاماته في تأسيس المؤسسات العلمية والقرآنية
ولم تقتصر جهود الشيخ إسماعيل محمد – رحمه الله تعالى – على التعليم والتأليف وتخريج العلماء والدعاة، بل امتدت لتشمل تأسيس ورعاية عدد من المؤسسات والمشروعات العلمية الرائدة التي كان لها أثر بالغ في خدمة الإسلام والمسلمين في جمهورية المالديف.
فقد كان للشيخ إسهامٌ بارز في تأسيس معهد العلم للدراسات الإسلامية، الذي أصبح من المؤسسات العلمية المعروفة في إعداد حفاظ القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية، وأسهم في تخريج أعداد من طلبة العلم الذين واصلوا مسيرة الدعوة والتعليم في المجتمع المالديفي.
كما كان من أوائل الداعمين والمساهمين في مشروع تحفيظ القرآن الكريم في المالديف، حيث بذل جهوداً كبيرة في غرس العناية بكتاب الله تعالى في نفوس الناشئة، وتشجيعهم على حفظه وتعلمه والعمل به، وهو المشروع الذي أثمر أجيالاً من حفظة القرآن الكريم وأسهم في تعزيز مكانة القرآن الكريم في المجتمع المالديفي.
ومن إنجازاته كذلك مساهمته الفاعلة في تأسيس المدرسة الدولية الإسلامية في المالديف، انطلاقاً من إيمانه العميق بأهمية الجمع بين التعليم الأكاديمي الحديث والتربية الإسلامية الأصيلة، وحرصه على إعداد جيلٍ يجمع بين التميز العلمي والهوية الإسلامية الراسخة.
خدماته في القضاء الشرعي
كما كان للشيخ إسهامٌ بارز في ميدان القضاء الشرعي، حيث عُرف بالنزاهة والعدل والاستقامة. ومن المواقف المشرقة في سيرته أنه رفض إصدار حكمٍ يخالف ما يراه حقاً وعدلاً في إحدى القضايا المنظورة أمام المحكمة، رغم ما تعرض له من ضغوط. فآثر التخلي عن المنصب على أن يحكم بغير ما يمليه عليه ضميره الشرعي، مسطراً بذلك مثالاً رفيعاً في الأمانة والتقوى والاستقلال القضائي.
إنتاجه العلمي ومؤلفاته
جمع الشيخ بين التدريس والتأليف، فترك تراثاً علمياً ثرياً تمثل في نحو أربعين مؤلفاً باللغة الديفهية تناولت العقيدة والفقه والسيرة والأخلاق الإسلامية وغيرها من العلوم الشرعية.
كما اضطلع بترجمة كتاب «التفسير الميسر» الصادر عن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة إلى اللغة الديفهية، وهو مشروع علمي جليل تتولى وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف بجمهورية المالديف إعداده للطباعة والنشر، ليكون من أبرز الأعمال العلمية التي تخدم فهم القرآن الكريم ومعانيه باللغة الديفهية.
التكريم والتقدير
وتقديراً لعطائه العلمي والدعوي الممتد لعقود طويلة، منحته الجامعة الإسلامية في المالديف أول درجة دكتوراه فخرية في تاريخها، اعترافاً بمكانته العلمية الرفيعة، وإجلالاً لما قدمه من خدمات جليلة للمجتمع والدولة.
آخر أعماله وإرثه الخالد
ظل الشيخ عاملاً في خدمة الإسلام حتى آخر أيام حياته، وكان من آخر مشاريعه المباركة بناء مسجد في مدينة هولهوماليه من ماله الخاص، إيماناً منه بفضل الصدقة الجارية وأثرها الممتد بعد وفاة الإنسان.
شهادة وفاء
وعلى الصعيد الشخصي، فقد ربطتني بفضيلة الشيخ إسماعيل محمد – رحمه الله تعالى – علاقة أخوية متينة ومحبة صادقة امتدت لسنوات طويلة. وقد عرفت فيه العالم الرباني، والمربي المخلص، والناصح الأمين، الذي جمع بين سعة العلم، وحسن الخلق، والتواضع الجم، والحرص الصادق على خدمة الدين والوطن.
ولقد كان – رحمه الله – قريباً من الناس، محباً للخير، مشجعاً لطلبة العلم، حريصاً على جمع الكلمة وإصلاح ذات البين، فترك في نفوس من عرفوه أثراً طيباً لا يُمحى، وذكريات عطرة ستبقى حاضرة في القلوب ما بقيت الحياة. وإن فقده بالنسبة لي لم يكن فقد عالم جليل فحسب، بل كان فقد أخ كبير وصديق ناصح ومربٍ فاضل.
ولقد شاء الله تعالى أن أتشرف بزيارة فضيلة الشيخ إسماعيل محمد – رحمه الله – قبل وفاته بيوم واحد فقط. وقد دار بيني وبينه حديثٌ حول عدد من المشروعات العلمية والدعوية التي كانت تشغل اهتمامه حتى آخر أيام حياته؛ فتحدثنا عن مشروع طباعة «التفسير الميسر» باللغة الديفهية، وعن المدرسة الدولية الإسلامية، وعن مشروع المسجد الذي يبنه.
وقد لمست في ذلك اللقاء أن قلبه كان لا يزال متعلقاً بالعلم والدعوة وخدمة الإسلام والمسلمين، وأن همه الأكبر لم يكن لنفسه ولا لشؤون دنياه، وإنما كان منصرفاً إلى ما ينفع دينه وأمته. فعلى الرغم من تقدمه في السن وما كان يمر به من ظروف صحية، ظل فكره مشغولاً بالمشروعات العلمية والخيرية، حريصاً على أن ترى النور وأن يستمر نفعها للأجيال القادمة.
وكان ذلك اللقاء من آخر ما جمعني به، فبقيت كلماته ونصائحه واهتمامه بأمور العلم والدعوة ماثلةً في ذهني، شاهدةً على حياةٍ مباركة أفناها في سبيل الله تعالى، وعلى رجلٍ عاش للعلم، ومات وهو يحمل همَّ العلم والدعوة وخدمة المسلمين.
لقد جسدت حياة الشيخ إسماعيل محمد معاني الإخلاص في طلب العلم وتعليمه، والتفاني في خدمة الدين والوطن، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية. وستبقى مؤلفاته، وطلابه، والمؤسسات التي أسسها، وآثاره العلمية والتربوية، شواهد خالدة على عظيم عطائه، ومنارات تهتدي بها الأجيال القادمة.
رحم الله فضيلة الشيخ إسماعيل محمد رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعل ما قدمه من علمٍ وعملٍ صالحٍ في ميزان حسناته يوم يلقاه.آمين


