يُعد بيت الزكاة المالديفي من أبرز المؤسسات الوطنية التي أُنشئت لتعزيز فريضة الزكاة وتنظيم إدارتها وفق أحكام الشريعة الإسلامية وأفضل الممارسات المؤسسية الحديثة. وقد جاء تأسيسه ليشكل نقلة نوعية في إدارة أموال الزكاة وتوجيهها نحو تحقيق مقاصدها الشرعية والاجتماعية والاقتصادية، بما يسهم في دعم الفئات المستحقة وتعزيز قيم التكافل والتراحم في المجتمع المالديفي.
ومنذ تأسيسه في 18 ديسمبر 2023م، عمل بيت الزكاة المالديفي على تطوير منظومة متكاملة لإدارة الزكاة تشمل جمع أموال الزكاة وتوزيعها واستثمارها وفق الضوابط الشرعية، مع الحرص على تحقيق أعلى درجات الشفافية والكفاءة والحوكمة. كما سعى إلى بناء قاعدة بيانات وطنية للمستحقين، بما يضمن وصول أموال الزكاة إلى الفئات الأكثر حاجة واستحقاقًا في مختلف أنحاء البلاد.
وقد شهدت منظومة الزكاة في جمهورية المالديف تطورات مؤسسية وتشريعية مهمة خلال السنوات الأخيرة، كان أبرزها إصدار قانون الزكاة رقم (27/2025)، الذي وضع إطارًا قانونيًا متكاملًا لتنظيم جمع الزكاة وتوزيعها واستثمارها وفق أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئ الحوكمة الرشيدة. كما أنشأ بيت الزكاة السجل الوطني للفقر، الذي يهدف إلى بناء قاعدة بيانات دقيقة للمستحقين في مختلف أنحاء البلاد، بما يسهم في توجيه أموال الزكاة إلى الفئات الأكثر حاجة بعدالة وشفافية.
ومن الإنجازات الرائدة التي حققها بيت الزكاة إعداد الإطار الشرعي لاستثمار أموال الزكاة وفق الضوابط والأحكام الشرعية المعتمدة، بما يضمن المحافظة على أموال الزكاة وتنميتها وتحقيق أعلى قدر من المنفعة للمستحقين. كما شهد عام 2025م تحديث وتطوير صندوق الوقف الإسلامي، بما يعزز دوره في دعم المشاريع الخيرية والتنموية المستدامة ويوفر موارد إضافية لخدمة الفئات المستحقة.
وقد أولى بيت الزكاة المالديفي اهتمامًا كبيرًا بالتحول الرقمي وتسهيل خدمات المزكين والمستفيدين، حيث أطلق آليات الدفع الإلكتروني للزكاة، وطوّر أنظمة إلكترونية حديثة تسهم في تسهيل أداء الزكاة ومتابعة الطلبات والخدمات. كما تم ربط خدمات الزكاة الطبية بمنصة OneGov الحكومية، الأمر الذي سهّل إجراءات الاستفادة من المساعدات العلاجية ورفع كفاءة وسرعة تقديم الخدمات للمستفيدين.
وفي الجانب الاجتماعي والإنساني، أطلق بيت الزكاة عددًا من البرامج النوعية التي تهدف إلى الانتقال من مفهوم المساعدات المؤقتة إلى مفهوم التمكين والتنمية المستدامة. ومن أبرز هذه البرامج برامج الرعاية الطبية للمحتاجين، وبرامج الدعم التعليمي للطلاب من الأسر المستحقة، والمساعدات المعيشية، وبرامج التمكين الاقتصادي التي تستهدف نقل المستفيدين من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج والعطاء.
كما أولى بيت الزكاة اهتمامًا خاصًا بتنمية الموارد البشرية وبناء الكفاءات الوطنية، من خلال دعم المنح الدراسية في مختلف التخصصات الإسلامية، بما في ذلك الشريعة الإسلامية، وأصول الدين، والفقه وأصوله، والاقتصاد والتمويل الإسلامي، وعلوم القرآن الكريم والسنة النبوية، والدعوة والإرشاد، وذلك بهدف إعداد جيل من العلماء والمتخصصين القادرين على خدمة المجتمع وتعزيز التنمية الإسلامية المستدامة في جمهورية المالديف.
وفي إطار تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات، نظم بيت الزكاة المالديفي المؤتمر الدولي للزكاة بمشاركة نخبة من العلماء والخبراء والمتخصصين وممثلي المؤسسات الزكوية من مختلف دول العالم الإسلامي. وقد شكّل المؤتمر منصة علمية ومهنية لتبادل التجارب الناجحة، ومناقشة التحديات المعاصرة التي تواجه مؤسسات الزكاة، واستعراض أفضل الممارسات في مجالات الحوكمة والاستثمار والتحول الرقمي والتمكين الاقتصادي. كما أسهم المؤتمر في تعزيز مكانة المالديف على خريطة العمل الزكوي الدولي، وتوسيع شبكة الشراكات والتعاون مع المؤسسات الزكوية والإغاثية والمالية الإسلامية.
وعلى الصعيد الدولي، حرص بيت الزكاة المالديفي على بناء شراكات استراتيجية مع المؤسسات الزكوية والخيرية في عدد من الدول الإسلامية، بهدف تبادل الخبرات والاستفادة من أفضل الممارسات في مجال إدارة الزكاة وتنميتها، وتعزيز التعاون المشترك في خدمة العمل الزكوي والإنساني.
وقد أسهمت جهود بيت الزكاة المالديفي في تعزيز التكافل الاجتماعي والحد من آثار الفقر والحاجة، وترسيخ ثقافة العطاء والمسؤولية المجتمعية، وجعل الزكاة أداة فاعلة للتنمية والاستقرار الاجتماعي. كما أصبح البيت نموذجًا مؤسسيًا متطورًا يعكس قدرة المؤسسات الإسلامية على توظيف فريضة الزكاة في خدمة التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
إن بيت الزكاة المالديفي اليوم يمثل أحد أهم الإنجازات المؤسسية في مجال العمل الإسلامي والاجتماعي في جمهورية المالديف، ويجسد رؤية متكاملة تسعى إلى تحويل الزكاة من مجرد مورد مالي إلى منظومة تنموية متكاملة تسهم في بناء مجتمع أكثر تكافلًا واستقرارًا وازدهارًا، وتقدم نموذجًا واعدًا للإدارة المؤسسية الحديثة للزكاة في العالم الإسلامي.


