رحلتي إلى أوزبكستان: في رحاب الحضارة الإسلامية

تشرفت بزيارة جمهورية أوزبكستان للمشاركة في المنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية، الذي نظمه مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان بالتنسيق مع منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، خلال الفترة من 7 إلى 12 يوليو 2026م. وقد مثّل هذا المنتدى منصةً علميةً وفكريةً رفيعة، جمعت نخبةً من العلماء والمفكرين والباحثين من مختلف أنحاء العالم، للتباحث حول سبل إبراز إسهامات الحضارة الإسلامية في بناء الإنسان، ومعالجة التحديات المعاصرة، واستشراف آفاق المستقبل.

ولم تكن هذه الزيارة مجرد مشاركة في مؤتمر دولي، بل كانت رحلةً في أعماق التاريخ الإسلامي، وفرصةً للتعرف عن قرب على بلدٍ ارتبط اسمه بالعلم والعلماء، وأسهم عبر القرون في صناعة واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية. فقد زرت العاصمة طشقند، كما تشرفت بزيارة مدينة سمرقند، تلك المدينة الخالدة التي لا تزال تنبض بعبق التاريخ، وتشهد معالمها على عظمة الحضارة الإسلامية وازدهارها العلمي والثقافي.

ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أنها حققت حلماً راودني منذ أيام الدراسة الجامعية، عندما كنا نقرأ في كتب التاريخ الإسلامي عن سمرقند وبخارى وترمذ، ونتأمل الدور العظيم الذي قامت به هذه الحواضر في صناعة الحضارة الإسلامية، وتخريج كبار العلماء الذين أثروا الأمة بعلمهم ومؤلفاتهم. وكنت أتطلع إلى اليوم الذي تطأ فيه قدماي تلك الأرض المباركة، لأشاهد عن قرب المدن التي طالما سكنت صفحات الكتب، فإذا بها تنبض بالحياة، وتحمل بين أزقتها ومعالمها شواهد خالدة على عظمة تاريخها.

وعندما تُذكر أوزبكستان، يتبادر إلى الأذهان أنها أرض العلماء والأئمة، ومهدُ كوكبةٍ من أعلام الأمة الإسلامية الذين أثروا التراث الإسلامي بعلمهم ومؤلفاتهم، وفي مقدمتهم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، والإمام أبو عيسى الترمذي، وغيرهما من كبار الأئمة الذين لا تزال مؤلفاتهم تضيء دروب العلم، وينتفع بها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها.

وقد سرني أن أرى الاهتمام الكبير الذي توليه القيادة الأوزبكية للحفاظ على هذا الإرث الحضاري العظيم، من خلال العناية بالمراكز العلمية، وترميم المعالم التاريخية، وإقامة المؤسسات التي تُعنى بإحياء التراث الإسلامي والتعريف بإسهاماته الحضارية، بما يعزز مكانة أوزبكستان بوصفها إحدى الحواضن الكبرى للحضارة الإسلامية.

 

ولعل من أجمل ما لمسته خلال هذه الرحلة ما يتحلى به الشعب الأوزبكي من كرم الضيافة، وحسن الاستقبال، ورفيع الأخلاق، والاحترام المتبادل. فقد رأيت شعباً يعتز بدينه، ويحافظ على عاداته وتقاليده الأصيلة، ويجسد في سلوكه اليومي كثيراً من القيم الإسلامية التي تدعو إلى الإحسان، والتسامح، وإكرام الضيف.

لقد كانت هذه الزيارة تجربةً علميةً وإنسانيةً ثرية، أكدت لي أن الحضارة الإسلامية ليست مجرد صفحاتٍ من التاريخ، بل هي رسالةٌ متجددة تقوم على العلم، والقيم، والأخلاق، وبناء الإنسان. كما أكدت أن الأمم التي تصون تراثها، وتكرم علماءها، وتستثمر في هويتها الحضارية، هي الأقدر على بناء مستقبلٍ مزدهر.

وختاماً، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى فخامة رئيس جمهورية أوزبكستان، وحكومة وشعب أوزبكستان، وإلى مركز الحضارة الإسلامية، ومنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، على حسن التنظيم وكرم الضيافة، سائلاً الله تعالى أن يبارك هذه الجهود المباركة، وأن يحفظ أوزبكستان قيادةً وشعباً، وأن يديم عليها الأمن والاستقرار والازدهار، وأن تبقى منارةً للعلم والحضارة، ومركزاً مشرقاً لإحياء التراث الإسلامي وخدمة الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء.

روابط
Comments

ހިޔާލު ދެއްވާ!

Your email address will not be published. Required fields are marked *