في سجل خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، تبرز أسماء من الرعيل الأول الذين حملوا العلم الذي تلقوه في رحاب المدينة المنورة إلى أوطانهم، وأسهموا في نشر العلم والدعوة وترسيخ معالم الدين في مجتمعاتهم. ومن أبرز هؤلاء الشيخ عثمان عبد الله، أحد أوائل الخريجين المالديفيين من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الذي كرّس حياته لخدمة الإسلام والمسلمين، وظل أكثر من خمسين عامًا في ميدان الدعوة والتعليم والعمل الإسلامي.
تخرج الشيخ عثمان عبد الله من كلية الدعوة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وعاد إلى وطنه حاملًا علمًا راسخًا ورسالة دعوية آمن بها، فبدأ مسيرة طويلة من العطاء لم تعرف التوقف، وأصبح واحدًا من أبرز الدعاة الذين أسهموا في نشر الوعي الديني في مختلف أنحاء جمهورية المالديف.
وكانت الدعوة بالنسبة إليه رسالة وحياة، فقد طاف جزر المالديف جزيرةً جزيرة، داعيًا وواعظًا ومعلّمًا، حتى ما تكاد تكون هناك جزيرة من جزر المالديف إلا وطئت قدماه أرضها، وألقى فيها موعظة أو درسًا أو كلمة توجيهية. وقد حمل إلى الناس العلم بأسلوب قريب من القلوب، جامعًا بين قوة الحجة وحسن الخلق وصدق النصح.
وعُرف الشيخ عثمان عبد الله بتواضعه الجم، وحسن خلقه، ولين جانبه، وقربه من الناس، فكان محبوبًا بين عامة المجتمع وعلمائه، وظل مثالًا للداعية الذي يجمع بين العلم والتواضع، وبين قوة الرسالة وحسن التعامل.
ولم يقتصر عطاؤه على ميدان الدعوة، بل تولى عددًا من المسؤوليات في العمل الإسلامي الرسمي، فعمل مديرًا للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وأسهم في تطوير العمل المؤسسي وتنظيم الجهود المتعلقة بالشؤون الدينية في البلاد.
ومن أبرز محطات حياته العملية توليه منصب أول مدير لمكتب الزكاة، الذي أُنشئ عام 1984م، حيث كرّس جانبًا كبيرًا من حياته لخدمة فريضة الزكاة وإحيائها في المجتمع المالديفي. فعمل على التعريف بأحكامها، وبيان مقاصدها، وتشجيع الناس على أدائها، وربطها بمصالح المجتمع والفئات المحتاجة، حتى ارتبط اسمه في الذاكرة المالديفية بخدمة الزكاة وإحياء هذه الفريضة العظيمة.
وقد ترك في هذا المجال أثرًا واضحًا، إذ لم ينظر إلى الزكاة باعتبارها مجرد فريضة مالية، وإنما باعتبارها عبادة عظيمة ووسيلة للتكافل الاجتماعي، وتحقيق الرحمة بين أفراد المجتمع، ومساندة المحتاجين والفقراء.
وتقديرًا لجهوده الطويلة في خدمة الدين والوطن، حصل الشيخ عثمان عبد الله على وسام شرف من الدولة، اعترافًا بما قدمه من خدمات جليلة في المجال الديني والدعوي وخدمة المجتمع.
وفي ميدان الترجمة والتأليف، أسهم الشيخ عثمان عبد الله في نقل المعرفة الإسلامية إلى أبناء شعبه، ومن أبرز أعماله ترجمة كتاب «الرحيق المختوم» إلى اللغة المالديفية، وهو من أشهر الكتب المعاصرة في السيرة النبوية، وبذلك أسهم في إتاحة السيرة النبوية للقارئ المالديفي بلغته، وتقريب أحداث السيرة ومعانيها إلى عامة الناس وطلاب العلم.
لقد كانت حياة الشيخ عثمان عبد الله رحلة طويلة من البذل والعطاء؛ بدأت من رحاب الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، واستمرت في مساجد المالديف وجزرها ومؤسساتها الدينية، متنقلًا بين التعليم والدعوة والإدارة وخدمة الزكاة والترجمة، واضعًا علمه وخبرته في خدمة دينه ووطنه.
وبعد أكثر من خمسين عامًا من الخدمة في ميادين الدعوة والعمل الإسلامي، انتقل الشيخ عثمان عبد الله إلى رحمة الله تعالى، بعد أن ترك وراءه إرثًا من العلم والدعوة والعمل المؤسسي، وذكريات طيبة في نفوس أجيال من أبناء المالديف الذين عرفوه وسمعوا مواعظه واستفادوا من علمه.
إن سيرة الشيخ عثمان عبد الله تمثل نموذجًا مضيئًا من نماذج خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة؛ أولئك الذين لم يكن العلم بالنسبة إليهم غاية شخصية، وإنما أمانة ورسالة حملوها معهم إلى أوطانهم، فكانوا دعاةً ومعلّمين ومصلحين وبناةً للمؤسسات.
لقد خرج الشيخ عثمان عبد الله من المدينة المنورة عالمًا وداعيًا، وعاد إلى المالديف ليجوب جزرها، ويصل إلى أهلها، ويعلّم أبناءها، ويخدم مؤسساتها الدينية، ويعمل على إحياء فريضة الزكاة، وينقل إليها شيئًا من نور العلم الذي تلقاه في مدينة رسول الله ﷺ.
رحم الله الشيخ عثمان عبد الله رحمة واسعة، وغفر له، وجزاه خير الجزاء على ما قدم من علم ودعوة وخدمة لدينه ووطنه، وجعل ما بذله خلال أكثر من نصف قرن في ميزان حسناته، وأبقى أثره الطيب في المالديف شاهدًا على حياة حافلة بالعطاء والإخلاص.


