في سجل خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من أبناء المالديف، تبرز أسماء تركت بصمات راسخة في مسيرة العلم والتربية وبناء الإنسان وخدمة المجتمع. ومن هذه الشخصيات العلمية والوطنية البارزة في جمهورية المالديف الدكتور إبراهيم زكريا موسى، الذي امتدت مسيرته الحافلة بالعطاء على مدى عقود، جامعًا بين العلم الشرعي والفكر الإسلامي، والتربية والتعليم، والعمل الوطني والتشريعي، والتأليف والترجمة، والدعوة والإعلام، والإسهام في بناء المؤسسات العلمية والشرعية.
إنها سيرة عالم ومفكر لم يكن علمه حبيس الكتب وقاعات الدرس، وإنما تحوّل إلى تربية للأجيال، وفكر يخدم المجتمع، ومشاركة في بناء الدولة، وإسهام في تأسيس المؤسسات، ورسالة دعوية تتجاوز حدود المكان والزمان.
في رحاب المدينة المنورة
كانت المدينة المنورة محطة فارقة في تكوين الدكتور إبراهيم زكريا موسى العلمي والفكري؛ ففي رحاب الجامعة الإسلامية تلقى علوم الشريعة، وتخرج عام 1983م في تخصص الشريعة الإسلامية.
وفي مدينة رسول الله ﷺ، نهل من معين العلم الشرعي، وتشكلت ملامح شخصيته العلمية، ثم عاد إلى وطنه يحمل زادًا من العلم والتجربة، ليبدأ رحلة طويلة من العطاء في ميادين التعليم والتربية والدعوة وخدمة المجتمع.
ولم يتوقف طلبه للعلم عند مرحلة البكالوريوس، بل واصل مسيرته الأكاديمية، فحصل على الماجستير والدكتوراه في الفقه وأصول الفقه من الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.
وقد اتجه في بحوثه إلى القضايا الفقهية المعاصرة، ومن أبرز موضوعاته بحثه في حقوق التأليف والاختراع بين الفقه الإسلامي والقانون، مع اتخاذ المالديف نموذجًا؛ وهو موضوع يكشف عن وعيه بأهمية وصل الفقه الإسلامي بالقضايا القانونية والفكرية المستجدة.
المربي الذي بقيت كلماته في الذاكرة
كانت التربية والتعليم من أخصب ميادين عطائه وأقربها إلى قلبه. فقد عمل مدرسًا في عدد من المؤسسات التعليمية، من بينها مدرسة مجيدية، كما عمل محاضرًا وأستاذًا في كلية ويلا، وكلية الدراسات الإسلامية، والجامعة الوطنية في المالديف، والجامعة الإسلامية في المالديف، ومركز تدريب المعلمين.
غير أن من أبرز محطات مسيرته التربوية توليه إدارة المدرسة العربية الإسلامية لسنوات طويلة، حيث لم يكن مديرًا إداريًا فحسب، بل كان مربيًا ومعلمًا وصاحب رسالة.
كان يرى أن المدرسة ليست مكانًا لتلقي المعرفة وحفظ المعلومات فحسب، وإنما هي ميدان لصناعة الإنسان، وبناء الشخصية، وغرس الأخلاق، وإعداد جيل قادر على تحمل مسؤولية المستقبل.
وخلال سنوات إدارته، تخرج في المدرسة أجيال من أبناء المالديف، أصبح عدد منهم فيما بعد في مواقع قيادية ومسؤوليات مهمة في الدولة والمجتمع.
وأنا شخصيًا كنت طالبًا في المدرسة العربية الإسلامية في الفترة التي كان فيها الدكتور إبراهيم زكريا موسى مديرًا لها، ولا تزال في ذاكرتي، بعد مرور سنوات طويلة، كلماته ونصائحه التي كان يلقيها علينا في طابور الصباح.
كانت تلك الدقائق الصباحية تحمل أكثر من كلمات عابرة؛ كانت رسائل في العلم والأخلاق والانضباط وتحمل المسؤولية. ومع مرور الزمن، أدركنا أن بعض الكلمات التي يلقيها المربي في دقائق معدودة قد تستقر في أعماق الطالب، ثم تنمو مع الأيام لتصبح مبادئ توجه حياته.
فأثر المربي الحقيقي لا يقاس بما يدرّسه في الفصل فحسب، وإنما بما يتركه في النفوس بعد أن يغادر طلابه المدرسة.
ولعل هذا من أصدق الشواهد على أثر الدكتور إبراهيم زكريا موسى؛ فكثير من طلابه لم يحملوا من المدرسة العلم وحده، بل حملوا معهم شيئًا من توجيهاته وقيمه ونظرته إلى الحياة والمسؤولية.
من المدرسة إلى البرلمان.. العلم في خدمة الوطن
لم تتوقف مسيرته عند ميدان التربية والتعليم، بل انتقل إلى ميدان العمل الوطني والتشريعي، فكان عضوًا في البرلمان المالديفي لمدة خمسة عشر عامًا، مشاركًا في مرحلة مهمة من تاريخ البلاد السياسي والدستوري.
وخلال هذه المسيرة البرلمانية، شارك في تدوين وصياغة الدستور المعاصر لجمهورية المالديف، ليكون بذلك جزءًا من مرحلة مهمة في بناء الدولة وترسيخ مؤسساتها الدستورية الحديثة.
كما تولى عددًا من المسؤوليات والعضويات في المؤسسات واللجان الوطنية، من بينها رئاسة صندوق التعليم، وعضوية لجنة الإشراف بوزارة التعليم، وعضوية المجلس الوطني المعني بالشؤون الإسلامية، وعضوية عدد من المجالس والهيئات الوطنية.
وهكذا انتقل من تربية الإنسان في المدرسة إلى المشاركة في بناء مؤسسات الدولة، وظل في كلا الميدانين يحمل روح العالم والمربي، ويؤدي مسؤوليته بوصفها أمانة لا مجرد منصب.
أحد رواد تأسيس الجامعة الإسلامية في المالديف
ومن أبرز المحطات في حياته العلمية والأكاديمية مشاركته الفاعلة في تأسيس الجامعة الإسلامية في المالديف.
فقد كان الدكتور إبراهيم زكريا موسى عميدًا لكلية الدراسات الإسلامية في المرحلة التي جرى فيها تحويل الكلية إلى جامعة إسلامية بموجب القانون وبقرار رئاسي، وكان له إسهام في وضع اللبنات الأولى لهذا الصرح الأكاديمي الذي أصبح فيما بعد من المؤسسات المهمة للتعليم الإسلامي العالي في البلاد.
ثم واصل خدمته للجامعة في مواقع أكاديمية وقيادية متعددة، فتولى عمادة مركز الدراسات العليا، وشارك في وضع المناهج والمقررات لبرامج الدراسات العليا في الجامعة، ثم تولى منصب نائب رئيس الجامعة، وواصل مسيرته القيادية حتى عام 2023م.
وقد جمع خلال هذه المسيرة بين التكوين الشرعي، والخبرة الأكاديمية، والتجربة الإدارية، مما جعله حاضرًا في مراحل متعددة من تطور الجامعة: من مرحلة التأسيس، إلى البناء الأكاديمي، ثم القيادة والإدارة.
وكان إسهامه في التعليم العالي امتدادًا طبيعيًا لرسالته التربوية التي بدأها في المدرسة العربية الإسلامية، غير أن ميدانها اتسع من تربية الطلاب إلى الإسهام في بناء البرامج الأكاديمية والمؤسسات التعليمية.
عالم وباحث ومؤلف ومترجم
كان الدكتور إبراهيم زكريا موسى يرى أن العلم رسالة، وأن المعرفة لا تكتمل قيمتها إلا إذا خرجت من صفحات الكتب إلى حياة الناس.
وله مؤلفات وأبحاث في مجالات إسلامية وفكرية متعددة، كما اهتم بالترجمة إلى اللغة الديفهية، ونقل عددًا من الكتب التي أسهمت في إثراء المعرفة الإسلامية لدى القارئ المالديفي.
ومن بين اهتماماته ترجمة مؤلفات في الاقتصاد الإسلامي، بما أسهم في تعريف المجتمع بالمفاهيم والقضايا المتعلقة بالاقتصاد الإسلامي والمعاملات المالية المتوافقة مع الشريعة.
كما شارك في لجنة ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الديفهية، مساهمًا في جهد علمي وثقافي مهم يهدف إلى تقريب معاني القرآن الكريم إلى أبناء المالديف.
ولم تكن الترجمة عنده مجرد نقل لغوي، وإنما كانت جسرًا بين العلم والجمهور، وبين المعرفة الإسلامية والمجتمع.
الترجمة في خدمة الدعوة
وامتد اهتمامه بالترجمة إلى المجال الدعوي، فقام بترجمة الدروس الرمضانية الرسمية، وعدد من المحاضرات والدروس الدعوية التي أُلقيت في المساجد.
وقد أسهم هذا العمل في إيصال مضامين تلك الدروس إلى شرائح أوسع من المجتمع، وتحويل الترجمة إلى وسيلة لنشر العلم والوعي الديني.
وكانت رسالته في ذلك واضحة: أن يصل العلم إلى الناس بلغة يفهمونها، وأسلوب ينتفعون به، ووسيلة تفتح أمامهم أبواب المعرفة والهداية.
داعية في الإذاعة والتلفزيون
كان للإعلام مكان بارز في مسيرته الدعوية؛ فقد شارك في برامج دينية وتوعوية عبر الإذاعة والتلفزيون، وأسهم في نشر الثقافة الإسلامية ومعالجة قضايا الدين والمجتمع.
كما قدّم برامج باللغة الإنجليزية حول الدين والإصلاح المجتمعي، وخاطب من خلالها شريحة واسعة من الشباب والمتعلمين، مقدمًا القضايا الإسلامية والاجتماعية بأسلوب يناسب الجمهور الناطق باللغة الإنجليزية.
وهكذا لم يحصر رسالته في المسجد أو قاعة الدرس، بل جعل من الإعلام منبرًا للتربية والإصلاح وبناء الوعي، ومجالًا آخر لخدمة المجتمع ونشر الفكر الإسلامي.
في خدمة الفقه والإفتاء والاقتصاد الإسلامي
امتدت خبرته العلمية إلى المؤسسات الشرعية والاقتصادية، فقد كان عضوًا في أكاديمية الفقه الإسلامي في المالديف، وشارك في خدمة القضايا الفقهية والفكرية المعاصرة.
كما كان عضوًا في عدد من لجان الشريعة التابعة للمؤسسات التي تقدم خدمات مرتبطة بالمعاملات المالية الإسلامية في المالديف، مستفيدًا من تكوينه الفقهي واهتمامه بالاقتصاد الإسلامي.
وعمل كذلك مستشارًا لشركة مِراج في ماليزيا، وتولى منصب المدير الإداري لشركة الجامعة الإسلامية في المالديف القابضة الخاصة المحدودة.
كما كان عضوًا في لجنة أخلاقيات البحث العلمي في الجامعة الوطنية في المالديف، وشارك في عدد من اللجان والمجالس الوطنية والعلمية.
في خدمة الإفتاء
وفي مجال الإفتاء، مثّل الدكتور إبراهيم زكريا موسى الجامعة الإسلامية في المالديف في المجلس الأعلى للإفتاء، وأسهم بخبرته العلمية والفقهية في خدمة الشأن الشرعي والإفتائي في البلاد.
وكان هذا الدور امتدادًا طبيعيًا لتكوينه العلمي في الشريعة والفقه وأصوله، ولخبرته الطويلة في التعليم والبحث والإدارة وخدمة المؤسسات الإسلامية.
وهكذا اجتمعت في شخصيته أدوار متعددة: العالم والمفكر، والأستاذ والمربي، والبرلماني والإداري، والباحث والمؤلف، والمترجم والداعية، والأكاديمي.
أثر يتجاوز المناصب
إن قيمة الرجال لا تقاس بعدد المناصب التي شغلوها، وإنما بما تركوه من أثر في الناس والمؤسسات والأجيال.
ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن الدكتور إبراهيم زكريا موسى يتجاوز الحديث عن السيرة الوظيفية؛ فهو رجل امتد أثره من المدرسة إلى البرلمان، ومن الجامعة إلى مؤسسات الفقه والإفتاء، ومن الكتاب إلى الإذاعة والتلفزيون، ومن قاعات التعليم إلى ميادين خدمة الوطن.
بدأ رحلته من المدينة المنورة، حيث تلقى العلم في الجامعة الإسلامية، ثم عاد إلى المالديف ليصبح مربيًا ومديرًا للمدرسة العربية الإسلامية، ويسهم في إعداد أجيال من الشباب.
ثم حمل مسؤولية وطنية وتشريعية امتدت خمسة عشر عامًا في البرلمان، وشارك في صياغة الدستور المعاصر، قبل أن يسهم في تأسيس الجامعة الإسلامية ويتولى فيها مسؤوليات أكاديمية وقيادية، وصولًا إلى إدارة الجامعة.
وفي الوقت نفسه، ظل حاضرًا في ميادين التأليف والترجمة والدعوة والإعلام والفقه والإفتاء والاقتصاد الإسلامي والبحث العلمي.
إنها مسيرة عالم لم يحبس علمه بين جدران قاعة الدرس، بل حمله إلى المدرسة والجامعة والبرلمان والمسجد والإذاعة والتلفزيون ومؤسسات الفقه والإفتاء والبحث العلمي.
خريج المدينة.. ورسالة تمتد
لعل أجمل ما في مسيرة الدكتور إبراهيم زكريا موسى أن أثره لم يتوقف عند حدود منصب أو مؤسسة، بل امتد عبر أجيال ومؤسسات وميادين متعددة.
فقد علّم وربّى، وشارك في بناء الدولة، وأسهم في تأسيس الجامعة وإدارتها، وألّف وترجم، وخدم الدعوة والإعلام، وشارك في المؤسسات الفقهية والتعليمية والبحثية.
وهذه هي رسالة خريجي المدينة المنورة: أن يتحول العلم الذي تلقوه في مدينة المصطفى ﷺ إلى عمل نافع، وتربية صالحة، وفكر مستنير، ومؤسسات راسخة، وخدمة صادقة للوطن والأمة.
ولعل أجمل شهادة يمكن أن يقدمها الطالب لمعلمه أن تبقى كلماته حاضرة في ذاكرته بعد عقود.
وأنا واحد من أولئك الطلاب الذين لا تزال بعض نصائح الدكتور إبراهيم زكريا موسى في طابور الصباح حاضرة في الذاكرة. ومع مرور الزمن، أدركت أن تلك الكلمات لم تكن مجرد نصائح صباحية عابرة، وإنما كانت جزءًا من رسالة تربوية تركت أثرها في نفوسنا.
فالمربي الحقيقي لا تنتهي رسالته بانتهاء الحصة، ولا يغيب أثره بخروجه من المدرسة؛ فقد تبقى كلماته في ذاكرة الطالب، وقد تتحول نصيحته إلى مبدأ، وقد تصبح تربيته جزءًا من شخصية جيل كامل.
وهذا هو الدكتور إبراهيم زكريا موسى؛ أحد أبناء المدينة الذين امتد أثرهم من رحاب العلم إلى رحاب الوطن، فكان عالمًا ومفكرًا إسلاميًا، ومربيًا للأجيال، وبرلمانيًا وأكاديميًا، ومؤلفًا ومترجمًا، وداعيةً وبانيًا للمؤسسات.
أسأل الله العلي القدير أن يمد الدكتور إبراهيم زكريا موسى بالصحة والعافية، وأن يبارك في عمره وعلمه وعمله، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدمه من خدمة للعلم والتربية والدعوة والوطن، وأن يرزقه السعادة والتوفيق في الدارين، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته.
آمين


