في سجل خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، تبرز شخصيات علمية ودعوية أسهمت في بناء مؤسسات الشؤون الإسلامية في جمهورية المالديف، وكان من أبرزها فضيلة الشيخ أحمد فاروق محمد، الذي جمع في مسيرته بين العلم الشرعي، والتعليم، والدعوة، والعمل الحكومي، والتشريع، والترجمة، والتأليف والإعلام، وامتد عطاؤه في خدمة الإسلام والشؤون الإسلامية لأكثر من أربعة عقود.
تخرّج الشيخ أحمد فاروق محمد من كلية الحديث والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وعاد إلى وطنه حاملًا العلم والمعرفة، ليبدأ مسيرة حافلة بالعطاء، جعل فيها من العلم الذي تلقاه في المدينة المنورة وسيلة لخدمة الدين والوطن والمجتمع.
بدأ حياته المهنية مدرسًا للتربية الإسلامية في معهد الدراسات الإسلامية، ثم تولى إدارة المدرسة العربية الإسلامية، قبل أن ينتقل إلى العمل المؤسسي والحكومي، فتولى منصب مدير إدارة الشؤون الدينية، ثم نائب المدعي العام، ونائب وزير العدل والشؤون الإسلامية، ونائب وزير العدل، كما تولى منصب نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وهو المنصب الذي استمر فيه سنوات طويلة.
وإلى جانب مسؤولياته الحكومية، كان إمامًا وخطيبًا في العاصمة المالديفية، وعضوًا في المجلس القومي للمساجد، والمجلس الاستشاري لشؤون الزكاة، كما شارك في عدد من المجالس واللجان الاستشارية والوطنية، وأسهم في خدمة الشؤون الإسلامية من خلال مواقع متعددة.
وكان للشيخ أحمد فاروق محمد حضور مميز في مجال خدمة القرآن الكريم، إذ كان عضوًا في لجنة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة المالديفية في رئاسة الجمهورية، وأسهم في الجهود العلمية الرامية إلى تقريب معاني القرآن الكريم إلى أبناء المجتمع بلغتهم.
كما اختير مبعوثًا لرابطة العالم الإسلامي في جمهورية المالديف، وأسهم من خلال هذه المهمة في تعزيز التواصل مع المؤسسات الإسلامية، ونشر المعرفة والدعوة، وخدمة قضايا الإسلام والمسلمين.
ولم يقتصر عطاؤه على العمل الإداري والدعوي، بل امتد بصورة واسعة إلى التأليف والترجمة. فقد ألّف كتاب «التربية الإسلامية» للصف التاسع، الذي استفادت منه المدارس الحكومية والأهلية، كما ترجم عددًا كبيرًا من الكتب والرسائل الإسلامية إلى اللغة المالديفية، وأسهم بذلك في إثراء المكتبة الإسلامية المالديفية ونقل العلوم الشرعية إلى القراء والطلاب بلغتهم الأم.
ومن أبرز الكتب التي ترجمها: «رياض الصالحين» للإمام النووي، و«الكبائر» للإمام الذهبي، و«تيسير مصطلح الحديث» للدكتور محمود الطحان، و«فقه السنة» للشيخ سيد سابق، إلى جانب مجموعة واسعة من الكتب والرسائل في القرآن الكريم، والحديث، والعقيدة، والفقه، والزكاة، والسيرة، والأخلاق والتربية الإسلامية.
كما كان له اهتمام خاص بموضوع الزكاة، فترجم عددًا من الإصدارات المتخصصة في أحكامها وآدابها، من بينها مؤلفات ورسائل صادرة عن صندوق الزكاة في دولة قطر، مما أسهم في نشر المعرفة بأحكام الزكاة ومقاصدها في المجتمع المالديفي.
وفي المجال الإعلامي والثقافي، شارك في إعداد وتقديم البرامج الدينية في الإذاعة والتلفزيون الوطني، وألقى المحاضرات والدروس، وكتب المقالات الإسلامية والتاريخية والثقافية في الصحف والمجلات باللغة المالديفية، وظل حاضرًا في المشهد الدعوي والثقافي لعقود.
كما واصل نشاطه الكتابي والثقافي في السنوات اللاحقة، فكان يكتب المقالات الدينية والتاريخية والثقافية بصورة منتظمة، مواصلًا رسالته في نشر العلم والمعرفة وخدمة المجتمع.
وقد جمع الشيخ أحمد فاروق محمد في مسيرته بين التعليم والدعوة والإدارة الحكومية والتشريع والترجمة والتأليف والإعلام والعمل المؤسسي، فكان نموذجًا للعالم الذي لم يحصر علمه في مجال واحد، بل وظّفه في خدمة مختلف مؤسسات المجتمع والدولة.
وتقديرًا لمسيرته الطويلة وما قدمه من خدمات علمية ودعوية ووطنية في مجال الشؤون الإسلامية، كرّمته الدولة ومنحته وسام الشرف عام 2018م، تقديرًا لعطائه وإسهاماته الممتدة عبر عقود.
ولا يزال الشيخ أحمد فاروق محمد، بما يحمله من علم وخبرة وتجربة طويلة، يمثل نموذجًا من نماذج خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الذين عادوا إلى أوطانهم، فحولوا العلم إلى عمل، والمعرفة إلى مؤسسات، والدعوة إلى خدمة مجتمعية مستمرة.
إن سيرته شاهد على الأثر الذي تركته الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في تكوين جيل من العلماء والدعاة المالديفيين الذين أسهموا في تعليم الأجيال، وبناء المؤسسات الإسلامية، وترجمة العلوم الشرعية، ونشر الثقافة الإسلامية، وخدمة الوطن والمجتمع.
نسأل الله تعالى أن يجزي الشيخ أحمد فاروق محمد خير الجزاء على ما قدمه طوال هذه المسيرة المباركة، وأن يبارك في علمه وعمله، ويمنحه الصحة والعافية والتوفيق، وأن يجعل ما بذله في خدمة القرآن الكريم والعلم والدعوة والشؤون الإسلامية في ميزان حسناته.


