يُعد صندوق الوقف الإسلامي التابع لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف في جمهورية المالديف إحدى المؤسسات الوقفية الرائدة التي تسعى إلى إحياء سنة الوقف الإسلامي وتفعيل دوره في دعم التنمية الدينية والاجتماعية والاقتصادية. ويجسد الصندوق رؤية استراتيجية تهدف إلى تحويل الوقف إلى أداة تنموية مستدامة تسهم في خدمة المجتمع، وتعزيز التكافل الاجتماعي، وتحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية في مجالات الخير والعطاء.
وقد تأسس صندوق الوقف الإسلامي عام 2010م بهدف إيجاد إطار مؤسسي وطني لإدارة الأوقاف وتنميتها وفق أحكام الشريعة الإسلامية. وشهد الصندوق مرحلة مهمة من التطوير والتوسع عام 2012م، حيث تم تعزيز بنيته التنظيمية وتوسيع نطاق برامجه ومشروعاته الوقفية، بما أسهم في ترسيخ العمل الوقفي المؤسسي في جمهورية المالديف وفتح آفاق جديدة للاستثمار الوقفي المستدام.
ويكتسب صندوق الوقف الإسلامي أهمية تاريخية خاصة باعتباره أول مؤسسة وقفية وطنية منظمة في تاريخ جمهورية المالديف الحديث، حيث أسهم في إحياء مفهوم الوقف المؤسسي وإعادة تفعيل دوره التنموي وفق أسس شرعية وإدارية حديثة. وقد شكّل تأسيسه نقطة تحول في مسيرة العمل الوقفي في البلاد، إذ انتقل الوقف من المبادرات الفردية المحدودة إلى منظومة مؤسسية مستدامة تُعنى بإدارة الأوقاف وتنميتها وتعظيم أثرها في خدمة المجتمع.
ويعمل الصندوق تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف من خلال منظومة إدارية وشرعية متكاملة تضمن حسن إدارة الأصول الوقفية والمحافظة عليها وتنميتها. ومنذ إنشائه، سعى صندوق الوقف الإسلامي إلى تنويع مجالات الوقف وتوسيع قاعدة الواقفين، من خلال إتاحة الفرصة للأفراد والمؤسسات للمساهمة في الأوقاف الخيرية والتنموية، مما أسهم في تعزيز ثقافة الوقف في المجتمع المالديفي وترسيخ مفهوم المشاركة المجتمعية في دعم المشروعات ذات النفع العام.
وقد شهدت تجربة الوقف المؤسسي في جمهورية المالديف نقلة نوعية مع إنشاء أول مبنى وقفي استثماري باسم (دار الإيمان)، والذي افتُتح عام 2014م بوصفه أول مشروع وقفي استثماري حديث مخصص لدعم المساجد وشؤونها. ويُعد مشروع (دار الإيمان) علامة فارقة في تاريخ الوقف المالديفي المعاصر، إذ مثّل أول تجربة ناجحة للوقف الاستثماري المخصص لدعم المساجد على مستوى الدولة. وقد وفر هذا المشروع مورداً مالياً مستداماً يسهم في دعم بناء المساجد وصيانتها وتشغيلها والبرامج الدينية المرتبطة بها، وشكّل نموذجاً ناجحاً للاستثمار الوقفي في المالديف، ومهّد الطريق لإطلاق مشروعات وقفية أخرى ذات أثر تنموي واسع.
ويعمل الصندوق على توجيه عوائد الأوقاف إلى عدد من المجالات الحيوية، من أبرزها دعم المساجد ومراكز تحفيظ القرآن الكريم، ورعاية برامج التعليم الشرعي، وتأهيل الأئمة والدعاة، ودعم الأسر المحتاجة، والمساهمة في بناء الكوادر الوطنية المتخصصة، إضافة إلى تمويل المبادرات التي تعزز التنمية المستدامة وخدمة المجتمع.
وشهد الصندوق مرحلة جديدة من التطوير والتحديث خلال عام 2025م، حيث أطلقت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف مشروع تحديث صندوق الوقف الإسلامي بهدف تعزيز الحوكمة والشفافية والكفاءة التشغيلية، وتطوير آليات إدارة الأصول الوقفية واستثمارها. كما تم إعداد أطر تنظيمية واستثمارية حديثة تضمن تحقيق أعلى درجات الاستدامة المالية مع الالتزام الكامل بالأحكام الشرعية.
واستمراراً لهذا النهج، شهد عام 2025م مرحلة جديدة من تطوير الاستثمار الوقفي من خلال تعزيز التعاون بين صندوق الوقف الإسلامي وبيت الزكاة المالديفي، بهدف توسيع نطاق الاستثمارات الشرعية وتنويع مصادر الدخل الوقفي، بما يحقق الاستدامة المالية للمشروعات الدينية والاجتماعية والتعليمية. وقد أسهم هذا التعاون في تطوير نماذج استثمارية حديثة تتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، وتعزز التكامل بين مؤسستي الوقف والزكاة لتحقيق أكبر أثر تنموي ممكن لصالح المجتمع المالديفي.
ومن أبرز المشروعات الوقفية التي تشرف عليها الوزارة مشروع مبنى الوقف (دار الأرقم) في العاصمة ماليه، ومشروع مبنى الوقف (دار السلام) في هولهوماليه، إلى جانب عدد من المبادرات الوقفية الأخرى التي تهدف إلى توفير موارد مالية مستدامة لدعم البرامج الدينية والتعليمية والاجتماعية في البلاد. وتمثل هذه المشروعات نموذجاً عملياً للاستفادة من الوقف في تمويل التنمية وخدمة المجتمع.
كما استفاد الصندوق من التحول الرقمي في تطوير خدماته، حيث تم توفير وسائل إلكترونية حديثة لتسهيل المساهمات الوقفية وتعزيز التواصل مع الواقفين والمتبرعين، بما يسهم في رفع مستوى المشاركة المجتمعية وتوسيع نطاق الاستفادة من المشروعات الوقفية.
وعلى الصعيد الدولي، يحرص صندوق الوقف الإسلامي على الاستفادة من التجارب الوقفية الرائدة في العالم الإسلامي، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الوقفية والهيئات الخيرية والمالية الإسلامية، بما يتيح تبادل الخبرات وتطوير الأداء المؤسسي والاستثماري للوقف في جمهورية المالديف.
وقد أسهمت جهود صندوق الوقف الإسلامي في ترسيخ مفهوم الوقف بوصفه أحد أهم أدوات التنمية المستدامة في الإسلام، وأصبح الصندوق نموذجاً وطنياً ناجحاً في إدارة الأوقاف وتوجيهها لخدمة المجتمع. كما يعكس التزام جمهورية المالديف بتطوير المؤسسات الإسلامية وتعزيز دورها في تحقيق التنمية الشاملة وفق مبادئ الشريعة الإسلامية.
إن صندوق الوقف الإسلامي بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف يمثل اليوم ركيزة أساسية من ركائز العمل الخيري والتنمية المستدامة في المالديف، ويواصل مسيرته في بناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً من خلال استثمار الوقف في خدمة الدين والإنسان والمجتمع، وتطوير مشروعات وقفية مستدامة تسهم في دعم المساجد والتعليم الشرعي والرعاية الاجتماعية والتنمية الوطنية الشاملة.


