إن مسجد الجمعة (هُكورو مسكي) في العاصمة ماليه من أعظم المعالم الإسلامية في جمهورية المالديف، ومن أبرز الشواهد الحية على ازدهار الحضارة الإسلامية في جزر المحيط الهندي. فهو ليس مجرد مسجد تؤدى فيه الصلوات، بل يمثل رمزًا للهوية الإسلامية، ومنارةً للعلم، وتحفةً معماريةً تجسد إبداع الإنسان المالديفي في خدمة الإسلام.
يرتبط تاريخ المسجد ارتباطًا وثيقًا بدخول الإسلام إلى المالديف في القرن الثاني عشر الميلادي، حيث أُقيم أول مسجد في هذا الموقع بعد اعتناق أهل المالديف الإسلام عام 1153م، ثم شُيّد المبنى الحالي عام 1658م في عهد السلطان إبراهيم إسكندر الأول، ليصبح أحد أقدم المباني الإسلامية الباقية في البلاد، وما زال يؤدي رسالته الدينية حتى يومنا هذا.
ويتميز مسجد الجمعة ببنائه الفريد باستخدام أحجار المرجان البحري المنحوتة بدقة متناهية، وهي تقنية معمارية اشتهرت بها المالديف ولم تُعرف بهذا المستوى من الإتقان في أماكن أخرى. كما تزدان جدرانه بالنقوش الإسلامية، والزخارف الهندسية، والآيات القرآنية المحفورة، إضافة إلى روائع فنون النجارة والطلاء التقليدي داخل المسجد، مما يعكس المستوى الرفيع الذي بلغته الفنون الإسلامية في المالديف.
وبجوار المسجد ترتفع منارة “منّارو” الإسلامية، التي شُيدت في القرن السابع عشر، وتعد من أقدم المنائر القائمة في العاصمة ماليه. وقد أصبحت المنارة مع المسجد رمزًا بصريًا للحضارة الإسلامية في المالديف، وشاهدًا على المكانة المركزية التي احتلتها المساجد في الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية للشعب المالديفي.
ولم يكن مسجد الجمعة مكانًا للعبادة فحسب، بل كان عبر القرون مدرسةً لنشر العلوم الشرعية، وتعليم القرآن الكريم، والفقه، واللغة العربية، ومنطلقًا لنشاط العلماء والقضاة والأئمة، ومركزًا لاتخاذ القرارات المتعلقة بالشؤون الدينية والاجتماعية، مما جعله مؤسسة حضارية متكاملة أسهمت في ترسيخ القيم الإسلامية والمحافظة على الهوية الوطنية.
وبالقرب من المسجد مقبرة تاريخية تضم قبور عدد من السلاطين والعلماء وكبار رجال الدولة، وتحمل شواهدها الحجرية نقوشًا عربية وديفيهية تعكس تطور الخط والفنون الإسلامية في المالديف، وتُعد مصدرًا مهمًا لدراسة تاريخ البلاد وحضارتها.
ونظرًا لقيمته التاريخية والمعمارية الفريدة، أُدرج مسجد الجمعة ضمن ملف مساجد المالديف المرجانية المدرج على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لدى اليونسكو، باعتباره أحد أروع النماذج العالمية لعمارة المساجد المشيدة من الحجر المرجاني، وما يمثله من قيمة استثنائية للتراث الإسلامي والإنساني.
إن مسجد الجمعة ليس مجرد أثر تاريخي، بل هو رمز لاستمرارية الحضارة الإسلامية في المالديف، ودليل على أن الإسلام لم يغيّر عقيدة المجتمع فحسب، بل أسهم في بناء حضارة مزدهرة قامت على العلم، والعبادة، والفنون، والعمارة، والعدالة، والتكافل الاجتماعي. وسيظل هذا المسجد شاهدًا خالدًا على عمق ارتباط الشعب المالديفي بالإسلام، وعلى إسهام المالديف في التراث الحضاري للأمة الإسلامية.


