في سجل خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، تبرز أسماء تركت بصمات راسخة في مسيرة العلم والدعوة والإصلاح في أوطانها، ومن بين هذه الشخصيات البارزة الدكتور عبد المجيد عبد الباري، الذي ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من مراحل تطور العمل الإسلامي والمؤسسي والسياسي في جمهورية المالديف.
فقد جمع الدكتور عبد المجيد عبد الباري بين التأصيل العلمي الذي تلقاه في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والعمل المؤسسي والإصلاحي، والدعوة إلى الله، والمشاركة في بناء المؤسسات الوطنية، ليصبح واحدًا من أبرز الشخصيات التي أسهمت في تطوير الشؤون الإسلامية وتعزيز حضورها في مؤسسات الدولة.
نال الدكتور عبد المجيد عبد الباري درجة الدكتوراه من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، حيث تلقى تكوينًا علميًا راسخًا قائمًا على منهج الوسطية والاعتدال، وهو المنهج الذي انعكس بوضوح في مسيرته العلمية والدعوية والإدارية بعد عودته إلى وطنه عام 2005م، عقب رحلة علمية حافلة امتدت لأكثر من أربعة عشر عامًا قضاها في رحاب الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، طالبًا للعلم، وباحثًا في علوم الشريعة، ومستفيدًا من بيئتها العلمية والدعوية المتميزة.
وكانت عودته إلى المالديف إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من العطاء، انتقل فيها من ميدان التحصيل العلمي إلى ميدان البناء المؤسسي والإصلاح الوطني، حاملًا معه ما اكتسبه من علم وخبرة ورؤية إصلاحية، ليسهم في تطوير العمل الإسلامي وخدمة المجتمع والدولة.
ولم يقتصر عطاؤه على المجال العلمي، بل كان أحد المؤسسين لحزب العدالة في المالديف، وأسهم في ترسيخ العمل السياسي ذي المرجعية الإسلامية، والمشاركة الفاعلة في مسيرة الإصلاح الوطني. وكان له دور بارز في صياغة الرؤية الفكرية والسياسية للحزب، بما يجمع بين الثوابت الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة.
وكان الدكتور عبد المجيد عبد الباري من أعمدة الإصلاح الدعوي والسياسي في المالديف، حيث كرّس جهوده لنشر منهج الوسطية والاعتدال، وتعزيز مكانة المؤسسات الدينية، وربط العمل الدعوي بمقاصد الإصلاح المجتمعي والتنمية الوطنية.
بدأ مسيرته المهنية مديرًا في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ثم أصبح أول مدير لمركز القرآن الكريم، حيث أسهم في تطوير برامج تعليم القرآن الكريم ونشر الثقافة الإسلامية. وعقب إنشاء وزارة الشؤون الإسلامية، اختير ليكون أول وزير للشؤون الإسلامية في جمهورية المالديف في العصر الحديث، فقاد مرحلة تأسيسية مهمة في تنظيم العمل الإسلامي الرسمي، ووضع اللبنات الأولى لتطوير الوزارة ومؤسساتها.
ومن أبرز إنجازاته إطلاق مشروع إصلاح نظام الزكاة في المالديف، حيث وضع الأسس الشرعية والإدارية لتطوير هذه الفريضة، كما وسّع مفهوم مصرف «في سبيل الله» ليشمل تقديم المنح الدراسية للطلاب المحتاجين في التخصصات التي تحتاج إليها مؤسسات الشؤون الإسلامية، بما يسهم في إعداد الكفاءات الوطنية المؤهلة لخدمة الدين والوطن.
ومن إنجازاته المؤسسية كذلك تأسيس المجمع الفقهي الإسلامي في المالديف، ليكون مرجعية علمية جماعية تُعنى بدراسة القضايا والنوازل المعاصرة، وإصدار الآراء والاجتهادات الشرعية، بما يعزز وحدة الخطاب الديني ويرسخ المنهج العلمي في الفتوى.
كما كان من المشاركين في تأسيس أول بنك إسلامي في جمهورية المالديف، في خطوة تاريخية أسهمت في إدخال الصيرفة الإسلامية إلى البلاد، وتوفير بدائل مالية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، دعمًا للتنمية الاقتصادية وتعزيزًا للاقتصاد الإسلامي.
وفي المجال الدعوي، أحدث نقلة نوعية في خطبة الجمعة، إذ اعتمدت وزارة الشؤون الإسلامية في عهده إصدار خطبة جمعة موحدة أسبوعية، تتناول قضايا المجتمع، وتقدم خطابًا علميًا رصينًا يعزز الوعي الديني، ويسهم في توحيد الرسالة الدعوية في مختلف مساجد البلاد.
لقد أسهمت جهود الدكتور عبد المجيد عبد الباري في ترسيخ مكانة المؤسسات الإسلامية في جمهورية المالديف، وربط العمل الديني بالتنمية الوطنية، وتعزيز الوسطية والاعتدال، وتطوير التشريعات والمؤسسات، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بإحدى أهم مراحل الإصلاح الإسلامي المعاصر في البلاد.
واختُتمت مسيرته الحافلة بالعطاء بوفاته، رحمه الله تعالى، في 22 مايو 2018م، إثر وعكة صحية ألمّت به خلال زيارة إلى جمهورية سريلانكا، حيث انتقل إلى جوار ربه ودُفن هناك. وبرحيله فقدت جمهورية المالديف أحد أبرز علمائها، وأحد رواد الإصلاح الدعوي والمؤسسي والسياسي، الذي كرّس حياته لخدمة الإسلام والوطن، وأسهم في بناء مؤسسات دينية ووطنية ما زالت آثارها المباركة ممتدة إلى يومنا هذا.
وتجسد سيرة الدكتور عبد المجيد عبد الباري الأثر العميق الذي أحدثته الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في إعداد قيادات وطنية جمعت بين العلم الشرعي، والرؤية الإصلاحية، والكفاءة المؤسسية، والقدرة على بناء الدولة وخدمة المجتمع. وستظل تجربته نموذجًا بارزًا للدور الحضاري الذي يؤديه خريجو الجامعة الإسلامية في نهضة أوطانهم، وخدمة الإسلام والمسلمين، والإسهام في ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال وبناء المؤسسات.
رحم الله الدكتور عبد المجيد عبد الباري رحمةً واسعة، وغفر له، ورفع درجاته في عليين، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه من علم وعمل وإصلاح، وجعل أعماله في ميزان حسناته، وأبقى أثره الطيب شاهدًا على إخلاصه وتفانيه في خدمة دينه ووطنه.


